عيران ليرمان
هزيمة النظام في إيران، وغياب ردات فعل «وكلائه»
إن الإنجازات العملياتية اللافتة التي حققتها إسرائيل في المعركة ضد إيران، وانضمام الولايات المتحدة إلى الضربات، ولا تقلّ عن ذلك أهمية غياب ردّ فعال من منظومة «الوكلاء» التي بُنيت على مدار أعوام طويلة لهذا الغرض تحديداً، لكنها لم تكن حاضرة في لحظة الاختبار الحاسمة، هذا كله ساهم فعلياً في خلق واقع جديد على الساحة الإقليمية على المستوى الاستراتيجي، وغيّر ميزان القوى القائم جذرياً، كتأثير تراكمي يشمل أيضاً تبعات الضربة القاسية لحزب الله في خريف 2024 وسقوط نظام الأسد في سورية.
لقد فشلت إيران تماماً في الدفاع عن أجوائها، وانكشفت أمام عُمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي في صميم بنية النظام. أمّا نتائج رشقات الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل، فعلى الرغم من أن بعضها أظهر قدرةً على الدقة، وتسبّب بأضرار واسعة، وأدى إلى مقتل 29 شخصاً، وهو أمر مؤلم، من دون شك، كذلك اضطر السكان إلى البقاء ساعات في الغرف المحصّنة، واضطربت أنماط الحياة، وأُغلقت مسارات الطيران من وإلى إسرائيل جزئياً، فإن هذه النتائج كانت أقلّ كثيراً من التقديرات التي افترضتها إسرائيل لأغراض التخطيط المسبق. وحقيقة أن المرشد الأعلى والمتحدثين باسم النظام اضطروا إلى ترويج ادّعاء زائف من أساسه أن «إسرائيل كانت على وشك الانهيار،» لا تثبت سوى إدراكهم الفعلي أن ما حدث هو العكس تماماً.
علاوةً على ذلك، فإن ردة الفعل الإيرانية الضعيفة، بل المتفق عليها مسبقاً، بصفتها خطوة رمزية لا تُلحق ضرراً فعلياً بالقوات الأميركية، حسبما حرص الرئيس ترامب نفسه على التوضيح، لها دلالة بعيدة المدى فيما يتعلق بكيفية إدراك النظام الإيراني من جانب جيرانه في الخليج، وجميع الفاعلين في المنظومة الإقليمية، ولا سيما فيما يتصل بمشاركة طائرات B-2 في الهجوم على المنشآت النووية. فعلى مدى سنوات، وخلال الحرب نفسها، دأب المتحدثون الإيرانيون على التهديد بأن نتائج هجوم كهذا ستكون مدمرة: إلحاق ضرر جسيم بالقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، وتنفيذ عمليات انتقامية واسعة ضد دول الخليج الموالية للولايات المتحدة، وإغلاق مضيق هرمز. لكن في الواقع، وعلى الرغم من النقاش البرلماني في طهران بشأن مسألة إغلاق المضيق، لم يحدث شيء من هذا، باستثناء الهجوم المزعوم على قاعدة القوات الجوية الأميركية «العديد» في قطر.
مجدداً، سقطت «الحكمة السائدة» لدى المحللين ومراكز الأبحاث، وسقطت معها المخاوف العميقة لدى حلفاء الولايات المتحدة العرب، تماماً مثلما حدث سابقاً عندما نُقلت السفارة الأميركية إلى القدس في سنة 2018، وهذا من شأنه تعزيز شعور الرئيس ترامب بقدرة الولايات المتحدة على التحرك، وتقديم الدعم لإسرائيل، من دون أن تدفع الثمن الذي كان يُفترض أن تتحمله نظرياً.
في الوقت نفسه، أظهرت وقائع الحرب عجز منظومة «الوكلاء» التابعة لإيران في المنطقة، وذلك على خلفية الضربات التي تلقّاها حزب الله في خريف 2024، وسقوط نظام الأسد في سورية في كانون الأول/ديسمبر. صحيح أن الحوثيين في اليمن واصلوا إطلاق النار بشكل متقطع، إلّا إن تأثيرهم في مجريات الحرب كان معدوماً. أمّا حزب الله، فقد امتنع من مهاجمة إسرائيل، وذلك أساساً نتيجة الضغوط المكثفة التي تمارَس عليه على الساحة اللبنانية. هذه المنظومة العسكرية القوية التي استثمرت فيها إيران مليارات الدولارات، تضررت خلال معارك سنة 2024 بشدة، وفي لحظة الاختبار القصوى التي أُنشئت من أجلها، لم تُستخدم. حتى الغارات الإسرائيلية الموضعية المتكررة على أهدافه في لبنان، والتي كانت تُقابَل في الماضي بردّ واسع، لم تحفّزه حتى الآن على الرد. وفي النقاشات الداخلية في لبنان، تُطرح مسألة، ولو أنه من غير المرجح تنفيذها في المدى القريب، تفكيك سلاح الحزب وإدماجه في النظام السياسي. واجهت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، هي الأُخرى، قيوداً مماثلة، فلم يكن لدى السلطات في بغداد أيّ مصلحة في الانجرار إلى ساحة المعركة، وعملت على كبح جماح أي ردة فعل تستهدف الوجود الأميركي على أراضيها، أو في جوارها.
ويكمل هذه الصورة، باعتباره عاملاً مؤثراً في تشكيل الوعي، غياب أيّ دعم فعلي (يتجاوز الخطابات والإدانات) من جانب الصين وروسيا، كلٌّ لأسبابه الخاصة. ففي لحظة حاسمة، لم يكن المحور الصيني – الروسي – الإيراني – الكوري الشمالي، المعروف اختصاراً بالأحرف اللاتينية CRINK، والذي بدا حتى وقت قريب كأنه قادر، بل عازم، على تشكيل تحدٍّ استراتيجي وأمني للولايات المتحدة والغرب، حاضراً في المشهد.
خريطة الفرص الجديدة
مثلما أوضح رئيس الحكومة قبيل زيارة مهمة ومفصلية لواشنطن، فإن الواقع الجديد، الذي جرى توصيفه أعلاه، ينطوي على فرص بعيدة المدى لترجمة إنجازات المعركة إلى نتائج سياسية. فإذا كانت الحرب، بحسب تعبير كلاوزفيتز، هي استمرار للسياسة بوسائل أُخرى، فالمطلوب الآن مواصلة المعركة بوسائل سياسية، وترجمة المكاسب العسكرية إلى لبِنات تأسيس لبُنية إقليمية مستقرة تكون إسرائيل جزءاً لا يتجزأ منها، وبشكل مشروع.
بصورة عامة، يدور الحديث حول تداخُل ستة مجالات عمل، من المتوقع أن تكون في صلب جدول أعمال الزيارة لواشنطن والخطوات التي ستعقبها:
تعميق التنسيق بين إسرائيل والولايات المتحدة، ومن خلاله (وأيضاً بشكل مباشر) مع الدول المحورية في الخليج، بشأن الأهداف الواجب وضعها، تحسّباً لإمكان مراجعة إيران موقفها، وتخلّيها فعلياً عن خطاب «الانتصار» الواهي، وأن تختار العودة إلى طاولة المفاوضات. إذا حدث ذلك، فهناك إجماع بين إسرائيل والولايات المتحدة واللاعبين الرئيسيين في أوروبا على ضرورة أن تشمل الخطوط الحمراء، التي لم يتضمنها اتفاق JCPoA لسنة 2015، البنود التالية: صفر تخصيب، والتخلي عن جميع الأبعاد العسكرية في البرنامج النووي، ووقف تطوير الأسلحة الباليستية، وإنهاء سياسة «الوكلاء». وفي حال أصرّت إيران على رفضها المتكرر للتفاوض، فيجب أن يشمل مجال الفرص تعميق التنسيق الاستخباراتي والعملياتي بشأن سيناريوهات تهديد محددة، أوضحت الولايات المتحدة فعلاً أنه يمكن استخدام القوة لمواجهتها.
فيما يتعلق بسورية، التي امتنعت خلال الحرب من إدانة الأعمال الإسرائيلية (ففي نهاية المطاف، كانت إيران ووكلاؤها هم العدو الأكثر وحشيةً للمعارضة السورية حتى سقوط نظام الأسد)، فإن مجالها الجوي، الذي تم «تطهيره» من قدرات التهديد منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، استخدمه سلاح الجو الإسرائيلي كمسار عملياتي من دون عوائق. من هنا، تسنح فرص سياسية مهمة، وإن كان يجب التحلي بالواقعية حيال ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة. فالرؤى بشأن اتفاق سلام، على غرار «اتفاقات أبراهام»، لا تستند بعد إلى أيّ أساس، كما أنه من غير الصائب التعجل في إخلاء المواقع الأمنية التي أنشئت منذ كانون الأول/ديسمبر، قبل التأكد، وفي المدى الطويل، من أن النظام الجديد يسعى فعلاً لترتيب طويل الأمد للعلاقات مع إسرائيل، حسبما يلمّح في هذه المرحلة. ومع ذلك، يمكن اتخاذ مجموعة من الخطوات لبناء قاعدة مختلفة لهذه العلاقات، وفي مقدمتها (بتنسيق مع دول الخليج والولايات المتحدة التي بدأت برفع العقوبات) دعم إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية في سورية، بما يشمل إمكان دمج سورية ولبنان في «منتدى غاز شرق البحر المتوسط (EMGF)».
فيما يتعلق بلبنان، أظهرت سلطاته (وكذلك المزاج العام) قدرة مضاعفة على كبح حزب الله في لحظة الاختبار، حالياً، تتطور هناك نقاشات بشأن نزع سلاح الحزب، المطلوب هو نهج يجمع بين الحذر والحفاظ على المواقع الأمنية الحالية على أراضيه في هذه المرحلة، مع أفق سياسي واستعداد لرسم «خريطة طريق» نحو التغيير. في هذا المجال، كما هي الحال في سورية، يوجد تقاطُع مصالح واضح بين إسرائيل ودول الخليج (وفي مقدمتها السعودية)، والولايات المتحدة، وفي هذه الحالة أيضاً فرنسا.
البعد الإقليمي لجهود الترتيب الجديدة يرتبط إلى حد بعيد بالدور السعودي الذي تُعلَّق عليه آمال، بعضها غير واقعي في هذه المرحلة: فلا حديث عن مراسم توقيع ومصافحة في البيت الأبيض، ما دام الأمر مشروطاً بتقديم إسرائيل تنازلات في الملف الفلسطيني، وهو ما يصعب تخيُّله في الظروف الراهنة. ومع ذلك، فإن ما ورد أعلاه بشأن سورية ولبنان، إلى جانب التعاون الأمني والاستخباراتي تحت مظلة القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، يفتح مجالاً واسعاً للتعاون، حتى من دون إقامة علاقات رسمية، وكذلك للعودة إلى مناخ الاتصالات الذي سبق السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وخصوصاً بشأن الجوانب الاقتصادية. علاوةً على ذلك، فإن إشارة سعودية إيجابية قد تسرّع حدوث اختراق في اتجاه علاقات رسمية، بشكل أو بآخر، مع إندونيسيا، الدولة الإسلامية الأكبر في العالم، والتي كانت لإسرائيل علاقات «من تحت الطاولة» معها، لكن رفع مستوى العلاقة سيكون ذا دلالة عملية ورمزية بعيدة المدى.
فيما يخص مصر والأردن، شريكتَي السلام القديمتَين لإسرائيل، فهناك مجال لبذل جهد سياسي لتحسين العلاقات. فعلى الرغم من مواقفهما العدائية جداً من استمرار القتال في غزة، وقيادتهما خطوات إشكالية في الجامعة العربية والساحة الدولية، فإن اتفاقات السلام لم تتزعزع، وعلى المستوى العملي، كما في إحباط قافلة المساعدات من تونس، كان لمصر، وفي هذه الحالة أيضاً، لحفتر في شرق ليبيا، دور فعال. وفي زمن تزداد فيه الشكوك في مستقبل الدعم الأميركي بفعل ميول الإدارة الحالية، تمتلك إسرائيل وأصدقاؤها في واشنطن أدوات ضغط مهمة، ومن الضروري التذكير بأهمية العلاقات معهما لأمن إسرائيل القومي في المدى الطويل، حتى عندما يبدو دور هاتين الدولتين هامشياً.
من الطبيعي أن تُطرح أيضاً مسألة وقف إطلاق النار في غزة، التي تصرّ إدارة ترامب على الدفع بها، ولا تخفي توقعاتها من إسرائيل في هذا الصدد. يجب أن تتضمن موافقة إسرائيل على الصفقة المطروحة، استعداداً لخوض عملية سياسية معقدة ومتعددة الأطراف خلال فترة التهدئة، بهدف بلورة بديل من حُكم «حماس» في القطاع في أقرب وقت، وإعادة بناء الشرعية التي تضررت بشدة، وخصوصاً في أوروبا، لاستئناف القتال، إذا ما أفشلت «حماس» هذا الجهد.
إنها سلسلة معقدة من التحركات والتحديات، يتمحور محرّكها الأساسي حول حوار مكثف مع إدارة ترامب، لكن دفعها إلى الأمام يتطلب أيضاً قاعدة دعم في الكونغرس والساحة السياسية الأميركية، من خلال تنسيق وعمل مشترك مع أصدقاء إسرائيل والجالية اليهودية، وكذلك من خلال تنسيق متكامل بين جميع الجهات ذات الصلة في المنظومة الإسرائيلية.
المصدر: معهد القدس للاستراتيجيا والأمن
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية