رونين برغمان
إن السؤال الأساسي الذي يجب أن يُطرح بعد الهجوم على الدوحة، ليس ذاك الذي دار في خلد مَن أوصوا به، وهل أخذوا احتمال فشله في الحسبان، بل ما الذي كان يُعتقد أنه سيحدث في حال نجاحه.
هذا الهجوم هو دليل إضافي على سلّم أولويات الحكومة الإسرائيلية. فإذا كانت الحرب على غزة، التي لم تخدم إسرائيل فعلياً منذ أشهر طويلة، لا عسكرياً، ولا سياسياً، هي الهدف الأساسي في بعض الأوقات، وكان ملف استعادة الأسرى ثانوياً فقط (على الرغم من أن الوثائق الرسمية أوضحت أن الهدفين متساويان من حيث الأولوية)، ففي الأول من أمس، أصبح الأسرى خارج دائرة الأولويات تماماً.
لقد كانت الخطط المرسومة لضرب هذا الهدف في أثناء اجتماع قادة «حماس» مطروحةً على الطاولة مرات عديدة، ونوقشت مع رئيس الوزراء منذ اندلاع الحرب. وفي كل مرة كان يُتخذ قرار بشأن عدم الهجوم، لأن قطر واحدة من ثلاثة وسطاء رئيسيين في صفقات الأسرى الذين اختارتهم إسرائيل بنفسها، ولأنها القناة المركزية للتواصل مع قيادة «حماس» الموجودة في عاصمتها، لم يكن هناك حاجة إلى خبرة دبلوماسية كبيرة لفهم ما ستفعله قطر مباشرةً، بعد مثل هذا الهجوم، سواء نجحَ، أم فشلَ، فضلاً عن الخطر الهائل على حياة الأسرى - بسبب تعطيل المفاوضات، أو إمكان أن توجّه «حماس» ردّها ضدهم، باعتبارهم الضحية السهلة والعاجزة.
لماذا الآن بالذات؟ ما الذي تغيّر؟ قال نتنياهو إنه قرر إصدار أوامر بالتخطيط اللهجوم بعد وقوع الهجومَين في القدس وغزة، قبل يوم واحد. فالهجوم الأول في القدس، نفّذه «إرهابيون» لديهم انتماءات تنظيمية فضفاضة، والهجوم الآخر الذي وقع في غزة، نفّذته «حماس». لكن اليوم، بسبب الوجود الإسرائيلي والدمار الهائل، فإن «حماس» في غزة لا تعمل كجسم واحد مع «حماس» في الدوحة. وحتى لو كان الأمر كذلك، لماذا جرى توقيت الهجوم على الدوحة الآن؟ وما الذي يختلف بين المأساة المروعة التي أودت بحياة أربعة جنود في ذلك اليوم، وبين جميع الجنود الذين قُتلوا منذ بداية الحرب؟
إن هذا الموضوع يستحق أن يحقق فيه مراقب الدولة: كيف اتُّخذت القرارات قبل العملية؟ لنفترض أنهم نجحوا في قتل قيادة «حماس» كلها، ما الذي كان سيحدث بعد ذلك؟ ما هو السيناريو «المتفائل» الذي دفع مَن صادقَ على العملية إلى الاعتقاد أنها ستؤدي إلى إطلاق سراح الأسرى؟ هل كانت «حماس» ستُليّن مواقفها بعد عامين من القتال من دون استسلام، فقط لأن رأسها في الخارج قُطع؟ هل هذا هو السيناريو؟ ومَن صادقَ عليه؟ ومَن هم الخبراء الذين اعتبروه سيناريو واقعياً، وخصوصاً في ظل التقارير التي قالت إن قيادات الأجهزة الأمنية والاستخبارات، في معظمها، عارضت ذلك بشدة.
في البداية، بدا كل شيء كأنه عظيم. بعد مرور دقائق على الضربة، حصل الصحافيون على الاسم الخاص بالعملية، ومعه تفاصيل كثيرة، بعدها حطم الوزير بتسلئيل سموتريتش الرقم القياسي للرئيس ترامب، الذي أعلن «التدمير الكامل» للمواقع النووية الإيرانية، قبل وقت قصير من عودة طائراته أدراجها، إذ وصف سموتريتش العملية بأنها «تنفيذ مثالي» لقرار صائب شارك في اتخاذه.
إن نتنياهو نفسه حطم رقماً قياسياً جديداً في مجال اتخاذ القرارات والعمليات الخاصة عندما قال: «بعد العملية الدموية في غزة و«المجزرة» الفظيعة بحق مواطنينا في محطة الحافلات في القدس، أعطيت الأجهزة الأمنية تعليماتي بشأن الاستعداد للقضاء على «قيادة» حماس. وبعد توفّر فرصة عملياتية فريدة لإحباطهم، أمرتُ بتنفيذ العملية، بالتعاون مع وزير الدفاع». لكن في العادة، يتطلب مثل هذه العمليات أسابيع وشهوراً من التخطيط وتحديد التوقيت المناسب. في هذه الحالة، نُفّذت العملية في أقل من 24 ساعة. وهذا أمر غريب بعض الشيء.
يقول إنه أعطى أوامره في الأمس؟ يبدو كأن رئيساً آخر للوزراء كان يشارك طوال العامين الماضيين في سلسلة نقاشات رفيعة المستوى لها علاقة بـ»عملية قطار الليل»، أحد الأسماء التي أُطلقت على العملية لضرب الهدف، وجرى خلالها إعداد قائمة اغتيالات طويلة جداً، وعلى رأسها يحيى السنوار ومحمد الضيف وكل القادة الكبار في غزة، فضلاً عن القيادة الخارجية في الدوحة وبيروت وإستانبول.
بدأت عملية جمع المعلومات الاستخباراتية، مع التركيز على كبار الشخصيات في الدوحة، وسرعان ما اكتُشفت فيلا من طبقتين على مقربة من الشاطىء، حيث كانت تُعقد اجتماعات قيادة «حماس». أطلقت الاستخبارات على هذه المنشأة اسم «يوم الحساب». يجري في عمليات من هذا النوع تنفيذ خطتين هجوميتَين على الأقل: هجوم بري من خلال الموساد، وهجوم جوي بواسطة سلاح الجو.
العملية الجوية طرحت تحديات، إذ توجد في الدوحة أكبر قاعدة عسكرية للولايات المتحدة خارج الأراضي الأميركية، والقوات هناك تدافع عن نفسها بواسطة منظومات دفاع جوي متطورة، وكان هناك تخوُّف من تفعيلها، عن طريق الخطأ، ضد الصواريخ التي ستُطلقها الطائرات الإسرائيلية. من جهة أُخرى، كان الموساد هو المسؤول عن قناة الاتصال بقطر بخصوص المفاوضات بشأن الأسرى، وأيّ تورُّط له في اغتيال كهذا كان سيقضي على العلاقة بالاستخبارات القطرية أعواماً طويلة.
في النهاية، اتُّخذ قرار إرسال سلاح الجو، وفي موازاة الهجوم، بدأت تتردد أنباء عن معارضة «الموساد»، الذي لم يُشارك في العملية ولم ينسبها لنفسه، ربما لكي ينقذ العلاقات مع الدوحة من الانهيار الكامل.
أسئلة مفتوحة
حتى كتابة هذه السطور، كان هناك سؤالان مفتوحان. الأول يتعلق بنتائج الهجوم؛ فوفقاً لبيان «حماس»، فشلَ الهجوم فشلاً ذريعاً، إلّا إذا كان الهدف من الهجوم مدير مكتب القيادي خليل الحية، وابنه وثلاثة من مرافقيه وشرطياً قطرياً، وليس كبار قادة «حماس» الذين تمكنوا من مغادرة المبنى قبل ثوانٍ قليلة فقط، بحسب إحدى الروايات. من الصعب الوثوق بتقارير «حماس»، لكن أيضاً من الصعب الافتراض أن تُصدر «حماس» بياناً بشأن نجاة قادتها، ثم يتبين بسرعة أن هذا غير صحيح. والحديث عن نجاة كبار القادة يتطابق مع مصادر أُخرى، ومع تريُّث إسرائيل في إصدار ردها على ذلك ونشر تقدير للأضرار.
السؤال الثاني أنه بافتراض أن «حماس» تقول الحقيقة، فما الذي جرى؟ لقد ألقت الطائرات الإسرائيلية قنابل ثقيلة جداً، وإذا كان كبار قادة «حماس» موجودين هناك، لما استطاعوا الخروج أحياء، وإذا لم يكونوا هناك، فما الذي جرى فعلاً بعد المصادقة على العملية، عقب التأكد من وجودهم هناك، وحتى سقوط القذائف على المبنى؟
كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن «قصفاً أحادياً داخل قطر لا يخدم مصالح إسرائيل، ولا أميركا.» على الرغم من أن القضاء على «حماس» هو هدف مشروع، لكنه في الوقت عينه، ومن أجل تحقيق هذا الهدف النبيل، قام بخطوة في الاتجاه المعاكس، فقال: «طلبت من ويتكوف تبليغ القطريين، وفعَل ذلك، لكن بعد فوات الأوان على وقف الهجوم.»
إذا كان هذا صحيحاً، فإن ترامب يعترف، علناً، بأنه تلقّى من أقرب صديق للولايات المتحدة معلومات سرية للغاية تتعلق بهدف استراتيجي يستهدف أحد ألدّ أعدائها، وأخذ المعلومة ونقلها إلى العدو على الفور، وأعرب عن أسفه لأنها وصلت متأخرة، وهذه سابقة خطِرة، أن ينقل زعيم أميركي إلى أعداء إسرائيل معلومات سرية تتعلق بعملية إسرائيلية دقيقة...
إذا كانت هذه القصة صحيحة، فإنها تشكل سابقة وتتعارض مع الشائعات التي حاولوا نشرها بعد ساعات على الهجوم، ومفادها بأن مقترح ترامب الأخير بشأن صفقة الرهائن كان جزءاً من عملية احتيال معقدة تهدف إلى جمع أكبر عدد من قادة «حماس» من أجل القضاء عليهم. وتطرح هذه القصة أسئلة إضافية عمّا إذا كان هناك تحذير، فلماذا قُتل أشخاص؟ ولماذا لم يتم إجلاء الجميع؟ ولماذا يصّرح القطريون، الذين من مصلحتهم القول إن ترامب وقف ضد إسرائيل، بأن تحذيره جاء خلال القصف؟
التداعيات الأوسع:
البروفيسور أريئيل ميراري، الخبير في الإرهاب، والقائد السابق لوحدة المفاوضات في هيئة الأركان الإسرائيلية، قال: «لم أسمع أيّ نقاش بشأن التداعيات الواسعة والبعيدة المدى لهذا الهجوم على صورة إسرائيل وشرعيتها. نفّذت إسرائيل ضربة عسكرية سافرة ضد دولة محايدة تربطها بها علاقات. إنها سابقة خطِرة تتعارض مع كل قواعد السلوك المقبولة على الساحة الدولية. هذا الضرر الذي لحِق بسمعة إسرائيل أهم كثيراً من أيّ تأثير محتمل في مصير الأسرى.»
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية