يونتان أديري
إن رئيس الحكومة الهندية ناريندرا مودي لا يحمل معه فقط ثقل مليار ونصف المليار إنسان، بل يحمل مفتاح حسم مستقبل إسرائيل في المنطقة. إن أحد أهم القادة في الشرق يأتي لترقية علاقة حيوية، ولكي نفهم أهمية اللحظة، علينا أن نفهم الطريقة التي يعمل وفقها.
منذ تولّيه مهمات منصبه في سنة 2015، لم يكتفِ مودي بإدارة الواقع القائم، بل تعهّد فعلاً، خلال حملته الانتخابية، بإعادة تأسيس الهند، عبر إدخالها في فصل ثالث من السيادة منذ الاستقلال عن الاستعمار البريطاني في سنة 1947 وجيل «الآباء المؤسسين» اللهند الحديثة. ومع بداية ولايته الأولى، نفّذ مودي سلسلة من الخطوات الراديكالية التي طرحها في حملته- خطوات أدخلت الهند عبر بوابات مؤلمة لم يجرؤ أحد قبله على فتحها؛ بين ليلة وضحاها، ألغى الأوراق النقدية الكبيرة لمحاربة الفساد، وقاد ثورة هوية غير مسبوقة: خلال أربعة أعوام فقط، انتقلت الهند من حالة شبه انعدام لبطاقات الهوية البيومترية إلى أكثر من مليار ومئة مليون شخص مسجلين في نظام «آدهار»؛ هذا كله ضد رأي الخبراء، ومع تحمُّل أثمان اجتماعية مؤلمة في المدى القصير، بهدف وضع بنية تحتية دولاتية تتلاءم مع العالم المتغير.
إن هند مودي لم تعُد «دولة من العالم الثالث» في طور النمو، بل أصبحت قوة عالمية هائلة؛ فوثائق الاستراتيجيا في البيت الأبيض والبنتاغون تعرّف الهند بأنها الشريك الأكثر حيويةً للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين، وخصوصاً في ظل التنافس المتصاعد مع الصين. ومودي هو الزعيم الوحيد في العالم اليوم الذي يحتفظ بقناة مفتوحة ومباشرة ومتزامنة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويقف بثبات في مقابل الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
بعد المواجهة العسكرية مع باكستان العام الماضي، كانت قناعة مودي واضحة: يجب أن تمتلك الهند تفوقاً تكنولوجياً مطلقاً واستقلالاً استراتيجياً. وفي نظره، يشكل صراع القوى بين الولايات المتحدة والصين فرصة تتكرر مرةً كل ألف عام، وهو يعمل بحزم لاستغلالها. الأرقام تتحدث عن نفسها: في الأسبوع الماضي فقط، وخلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى نيودلهي، أعلن شراء 26 طائرة «رافال» فرنسية بقيمة 6 مليارات دولار. انتبهوا - ليست طائرات أميركية.
ويُضاف إلى ذلك استثمار بقيمة 5.2 مليارات دولار في ثلاث غواصات ألمانية، ضمن برنامج ضخم بقيمة 42 مليار دولار لبناء أسطول بحري يسيطر على المحيط الهندي، وإطار مشتريات بنحو 7 مليارات دولار مع إسرائيل في سنة 2026 أعلنه قبل أسابيع قليلة. من المهم أن نفهم أنه وفقاً لسياسة الهند الخارجية الراهنة، فإن إسرائيل تقع ضمن منطقة استراتيجية عرّفها وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار في خطابه في مؤتمر ميونيخ مؤخراً بأنها «غرب آسيا» - فضاء يبدأ في نيودلهي وينتهي في إسرائيل والقرن الأفريقي.
لقد أحسنت إسرائيل بالوقوف إلى جانب مودي في سنواته الأولى والصعبة، حين اختار الغرب مقاطعته، ومودي رجل يتذكر مَن احتضنه في بداياته، وهذه الثقة تُترجَم اليوم إلى مليارات في صفقات شراء معدات عسكرية إسرائيلية أثبتت نفسها في لحظات الحقيقة أمام باكستان.
«صداقة قائمة على الثقة المتبادلة»
خلال مطلع الأسبوع، وفي رسالة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أوضح مودي عُمق الشراكة، قائلاً: «إنني أوافق تماماً على العلاقة العميقة... إن الهند تولي أهمية كبيرة للصداقة الراسخة والمتعددة الأبعاد والمستمرة مع إسرائيل، صداقة قائمة على الثقة المتبادلة والابتكار والطموح المشترك إلى السلام والتقدم.» هذه ليست كلمات دبلوماسية فارغة، بل إعلان نيات استراتيجي، جوهره ترقية العلاقات بين الدولتين إلى ما يتجاوز المجال الأمني كثيراً. ومن المتوقع ورود أخبار مثيرة للاهتمام في مجالات البنية التحتية والعلوم والعلاقات التجارية.
أمّا الاستنتاج الاستراتيجي، بالنسبة إلينا، فيجب أن يكون واضحاً: الهند، وليست السعودية، هي القوة التي تحدّد الاستراتيجيا الإقليمية لإسرائيل، فهي الركيزة الشرقية لِما يبدو كأنه «هندسة ماسية»- دول من جميع الجوانب المحيطة بإسرائيل تعمل كحليفات أمنيات لها. هذه العقيدة تمثل المسمار الأخير في نعش فكرة «الفيلا في الغابة» المعزولة.
في هذه الخريطة الجديدة، تمثل الهند ركيزة القلب في الشرق، وأذربيجان في الشمال، وأثيوبيا في الجنوب، واليونان وقبرص في الغرب. إنها الشبكة الاستراتيجية التي ستضمن بقاء وازدهار السيادة اليهودية في أرض إسرائيل، قبيل عامها المئة. مودي لا يأتي فقط للزيارة، بل لتثبيت إحداثيات التموضع الإسرائيلي الجديد في المنطقة.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية