إيهود ياعري
يقول الرئيس الجديد الجنرال جوزاف عون في محادثات مغلقة أنه لا ينوي مطلقاً إرسال جيشه إلى مواجهة مع حزب الله، ومع أنه أَمَر الضباط الذين كانوا تحت قيادته حتى قبل بضعة أشهر بأن يقدموا إليه حتى 2 أيلول/ سبتمبر خطة لجمع سلاح التنظيم، إلاَّ إنه يدرك جيداً أنّ رئيس هيئة الأركان الذي خَلَفَهُ، الجنرال رودولف هيكل، هو المرشَّح الأفضل لأنه خدم أعواماً في جنوب لبنان، ونسج شبكة علاقات وثيقة مع قوات التنظيم التي كانت منتشرة في قطاعه. وقبل نحو أسبوع، بعث حزب الله بإشارة تدل على استعداده لتنفيذ تهديداته بمقاومة مصادرة ترسانته بالقوة، عندما «تسبَّب» بمقتل 6 جنود لبنانيين كانوا قد تلقَّوا تدريبات على يد الأميركيين، جرَّاء عبوة ناسفة تم تفجيرها [في الواقع انفجرت] في أثناء وصولهم إلى مخزن سلاح تابع لحزب الله، وحتى في البيانات الرسمية هناك، فقد تجنّبوا القول إنّها كانت «حادثة».
نذكّر بأن «القائد» الجديد الذي ورث نصر الله، الشيخ نعيم قاسم، هدد بأن رجاله سيقاتلون كما في معركة كربلاء في القرن السابع، التي قُتل فيها الإمام الثالث لدى الشيعة، الحسين، ولعله نسي أنه في ختام تلك المعركة التاريخية، اختار الحسين في الحقيقة أن يموت مقاتلاً في معركة بلا أمل. أمَّا رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الذي كان، قبل الأعوام التي أمضاها كقاضٍ في لاهاي، ناشطاً بارزاً لمصلحة منظمة التحرير الفلسطينية، فيُطلق تصريحات حازمة فحواها أن «السلاح لن يكون إلاّ في يد الدولة»، ومع ذلك، فلا يبدو أن حزب الله يأخذ كلامه بجدّية، إذ إنه انتزع منه فعلاً تعيين مؤيديه في سلسلة من المناصب الأمنية الرئيسية.
وفي المقابل، طالب المبعوث الأميركي توم باراك (السفير في تركيا) إسرائيل بالانسحاب من التلال الخمس التي يرابط فيها جيشها وراء الحدود الشمالية. حاشا لنا! فبلدة المطلة، التي لم يعد إليها سوى نحو 40% من سكانها، ستجد صعوبة في النهوض من جديد من دون وجود جنودنا على هضبة الحمامص، وكذلك في النقاط الأُخرى. لن يكون من الممكن الاكتفاء بتسلُّم وحدة نخبة من الجيش اللبناني هذا الموقع الحرج إلاَّ بعد تنفيذ نزع سلاح حزب الله بالكامل، وليس قبل ذلك!
أمّا نائبته، مورغان أورتيغوس، فهي أكثر صرامة إزاء السلطات في بيروت في هذا الشأن، وهي شخصية استثنائية؛ إذ إنها مذيعة تلفزيونية سابقة فائقة الجمال، اعتنقت اليهودية عند زواجها من جوناثان واينبرغر، وتضع حتى عند قدومها إلى لبنان قلادة أو خاتماً يحمل نجمة داود، وتمارس ضغوطاً شديدة بألاَّ تُرفع العقوبات عن لبنان وألاَّ يُضخَّ إليه أي دعم ما لم يبدأ تحرُّك ملموس. اللبنانيون ما زالوا يتساءلون: أيّ المبعوثَين التابعَين لترامب ينبغي الإصغاء إليه؟
إسرائيل هي القادرة على أن تساهم في دفْع حزب الله إلى استنتاج أنه من الأفضل له التخلِّي عن سلاحه؛ في الدرجة الأولى، عبر توسيع دائرة التصفيات لشخصيات بقيت تتولّى إدارة التنظيم، كوفيـق صفا، وأبو علي حيدر، وهيثم طباطبائي، وطلال حمية وغيرهم، وجميعهم «إرهابيون» كبار مشهورون، ما زالوا حتى الآن يعتقدون أن اليد الإسرائيلية لن تطالهم في بيروت.
لكن أبعد من ذلك، فعلى إسرائيل أن تُصرَّ على اتخاذ خطوات تمهيدية لتغيير المسار قبل استكمال ترسيم الحدود والحديث عن اتفاق أمني شامل، كإنشاء لجنة لتنسيق إدارة نظام تدفُّق المياه في الحاصباني ونهر عيون على سبيل المثال، والسماح بحركة السيّاح عبر معبر رأس الناقورة، أو فتْح الأجواء بما يخدم أساساً الرحلات من لبنان إلى السعودية.
وفي هذه الأثناء، تبدو الصورة غير مشجِّعة؛ صحيح أنَّه يوم الخميس الماضي جرى عرْض هزلي بإخراج شاحنة أسلحة من مخيم اللاجئين الفلسطينيين في برج البراجنة في بيروت، إلاَّ إن ذلك مهزلة بائسة! وحتى الاتفاق مع أبو مازن بشأن نزع السلاح من 12 مخيماً للَّاجئين، فإن الجيش اللبناني لا يعتزم تنفيذه، ولا يملك القدرة على ذلك، فَمَنْ لا يستطيع أخْذ صواريخ مضادة للدروع من «حماس» في لبنان، لن يتمكن من أخْذ صواريخ «زلزال» التي بقيت في يد حزب الله في سهل البقاع.
يُقال إن حزب الله أصبح أضعف كثيراً، وخسر تقريباً كل حلفائه المحليين، لكنه يُصرّ على المحافظة على قدرته العسكرية، وما هو أكثر مدعاة إلى الأسف أنني أستخلص أنه لا يوجد في الواقع أي إمكان لِأَنْ تكونَ في البرلمان اللبناني الذي سيجري انتخابه في شهر أيار/مايو 2026، إذا لم يحدث أي تأجيل، أغلبية ثابتة ضد حزب الله، فإن إنجازات الحزب في الانتخابات البلدية الأخيرة تُظهر أن ماكينة أمواله ما زالت تعمل بفاعلية، بما في ذلك عبر شراء النفوذ في معظم شبكات التلفزة المحلية، ولهذا السبب، سيطأطئ الرئيس عون رأسه أمام أورتيغوس، ثم يبعث على الفور برسالة أُخرى إلى حزب الله.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية