كوبي ماروم
الهجوم الأميركي المتوقَع على إيران يثير عدة تساؤلات بشأن توقيت الضربة، لكنه يثير أساساً أسئلة حول غاية الهجوم وهدفه: هل المقصود ضربة مركزة لتصفية القائد والقيادة الإيرانية، أم هجوم قوي وطويل الأمد لإسقاط النظام؟ أم إن ترامب في الواقع يسعى لاتفاق استسلام في الملف النووي يمنع الهجوم، لكنه يقود إيران إلى وقف المشروع النووي، والصواريخ الباليستية، والتورط في «الإرهاب» في أنحاء الشرق الأوسط.
من غير المؤكد أن ترامب قد حسم قراره، وقد يكون الحديث عن مزيج من جميع الخيارات المذكورة أعلاه. من الواضح أن فريق الأمن القومي والبنتاغون ينجحان في الحفاظ على سرية عملية صنع القرار، مع ضبابية مقصودة بشأن الأهداف الحقيقية للرئيس.
وقد وضع كل من الاحتجاجات الكبيرة في إيران خلال الأسابيع الأخيرة، وتهديد الرئيس ترامب باستخدام القوة إذا قُتل متظاهرون، تحدياً قيادياً حقيقياً أمام الرئيس ترامب، بل وقيّداه، بمعنى ما، ودفعاه إلى الفعل. ومع ذلك، وعلى الرغم من التهديد الواضح، فقد رأينا في الأيام الأخيرة قمعاً عنيفاً ودموياً للاحتجاجات مع آلاف القتلى، وحتى هذه اللحظة لا يوجد رد أميركي كان يُتوقع أن يواكب تهديد الرئيس ترامب.
من الواضح تماماً أن تشجيع الاحتجاجات، وتشجيع الإيرانيين الشجعان في شوارع المدن على القتال بشجاعة لإسقاط النظام، ليس أمراً بسيطاً على الإطلاق، وخصوصاً عندما يستند النظام إلى أجهزة أمنية قوية إلى هذا الحد، ومستعدة لقتل الآلاف في الشوارع من أجل بقاء النظام. هذا الواقع يضع علامة استفهام حول القدرة الحقيقية على إسقاط النظام، ولذلك فإن الخطط التي كانت لدى فريق الأمن القومي للرئيس لتنفيذ ضربة مركزة واحدة وقطع رأس القيادة بأكملها، بما في ذلك علي خامنئي، كان من الممكن فعلاً، وفي التوقيت المناسب، أن تشجع مئات الآلاف من المتظاهرين في أنحاء إيران، غير أنه ليس من المؤكد إطلاقاً أن ضربة مركزة واحدة كهذه، مهما تكن ناجحة، ستؤدي إلى زعزعة حقيقية للنظام أو إسقاطه.
كانت توصية قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال كوبر، للرئيس ولفريق الأمن القومي أنه إذا كان الهدف هو تغيير النظام، فإن ذلك يتطلب حملة طويلة، لا عملية استهداف هجومية واحدة. لذلك نرى في الأيام الأخيرة بداية حشد قوات للجيش الأميركي، جواً وبحراً؛ حاملات طائرات وقوات ضاربة إضافية مرافقة لها، يمكن أن تكون جزءاً مركزياً من تلك الحملة لإسقاط النظام. والشعور السائد في إيران بين ملايين الإيرانيين الشجعان هو شعور بالإحباط والارتباك الكبيرَين؛ ملايين الإيرانيين الذين كانوا ينتظرون ذلك.
منذ عملية «شعب كالأسد»، توصل الرئيس وفريق الأمن القومي إلى قناعة فحواها أنه من أجل تغيير وجه الشرق الأوسط، وخصوصاً في مواجهة المحور الشيعي بقيادة إيران نفسها، يجب العمل بقوة واستبدال النظام. فعلى الرغم من الضربة التي وُجهت في عملية «شعب كالأسد» إلى المنشآت النووية، ومنظومة إنتاج وإطلاق الصواريخ الباليستية، والضرر الشديد الذي لحق بمنظومة الدفاع الجوي، وتصفية قادة وعلماء نوويين، فلا تزال إيران غير مستعدة للذهاب إلى اتفاق نووي يمنعها من التخصيب، ويفرض قيوداً أيضاً على استخدام القوة في الشرق الأوسط وعلى الصواريخ الباليستية. لذلك، فإن احتمال التوصل إلى صفقة نووية جديدة منخفض جداً.
والخطة الاستراتيجية للعمل التي يبنيها الرئيس ترامب وفريقه في الأشهر الأخيرة، إذا لم تنضج المفاوضات، هي ضربة مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لتغيير النظام، والاضطرابات التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة سرعت هذا المسار، وكذلك الحاجة إلى تنفيذ خطوة كبيرة لإسقاط النظام. ولذلك، نشهد في الأيام الأخيرة الكثير من التسريبات والمناورات الإعلامية والضبابية المقصودة، لكن الرئيس وفريقه بدءآ تنفيذ الخطة التي صاغتها القيادة المركزية الأميركية وفريق الأمن القومي: حشْد قوة كبيرة جداً بقدرات هجومية داخل إيران، وجمع معلومات استخباراتية دقيقة للحملة، التي سينتهي بها المطاف إلى إسقاط النظام واستبداله بنظام آخر.
عند فحص طبيعة الحملة الأميركية لإسقاط النظام الحالي، نرى أنها ستكون عبارة عن ضربة جوية وبحرية قوية تستهدف أساساً مواقع القيادة الوطنية، وقطع رأس القيادة الوطنية والعسكرية بأكملها، وإلحاق ضرر بليغ بالقدرات العسكرية وبمنظومات القيادة والسيطرة للحرس الثوري وقوات الباسيج، التي هي في الواقع بوليصة التأمين لبقاء النظام. وسيرافق الهجومَ هجومٌ سيبراني قوي وغير مسبوق على منظومات القيادة والسيطرة للنظام، بما في ذلك تعطيل كامل لبنى الدولة التحتية في إيران، وحصار بحري وجوي على الدولة الإيرانية، وضربات كبيرة من هذا النوع على مدى أسابيع، من المتوقَع أن تشعل من جديد الاضطرابات في أنحاء إيران، ولذلك، عند النظر إلى نتائج كهذا التحرك، فإن الهدف هو إسقاط النظام الحالي وإنشاء بديل سلطوي.
في الخطة الأميركية يوجد خياران مركزيان مطروحان: الأول أن يسيطر الجيش الإيراني على الدولة ويفرض حكماً عسكرياً لفترة معينة عقب الضربة القاسية التي ستلحق بالقيادة العليا الوطنية، وبالقيادة العليا وبقدرات الحرس الثوري وبقية قوات النظام، والثاني سيعتمد على موجة احتجاجات تتجدد، ووصول نجل الشاه، رضا بهلوي، كقائد موقت لفترة قصيرة، وخلال سنتين أو ثلاث يتم إجراء انتخابات جديدة للقيادة الإيرانية.
الزاوية الإسرائيلية
على إسرائيل في هذه المرحلة من حشد قوات القيادة المركزية الأميركية أن تحافظ على مستوى منخفض من الظهور، وأن تتيح للقوات الأميركية قيادة مسار الحشد المتواصل استعداداً لحملة في كل فضاء الخليج الفارسي. وفي هجوم من هذا النوع، يُفترض أن يبدأ خلال بضعة أسابيع، سيرد الإيرانيون حتماً على أهداف أميركية في أنحاء الخليج، وربما أيضاً على حقول نفط في السعودية والإمارات، وهنا يزداد احتمال إطلاق النار في اتجاه إسرائيل بصورة واضحة، وهو احتمال كبير، خلافاً للافتراض أنه في ضربة مركزة واحدة قد لا يرغب الإيرانيون في إدخال إسرائيل في مسار القتال ضدهم.
على افتراض أن هذه الحملة ستستغرق أسابيع طويلة، ستتعرض إسرائيل لهجمات، ولا شك في أن إسرائيل سترد بقوة وستنخرط مع القيادة المركزية في تلك الضربات الكبيرة على جميع منظومات النظام في أنحاء إيران، وهذا يتطلب جاهزية عالية جداً في جميع منظومات الجيش الإسرائيلي -الدفاعية، وقيادة الجبهة الداخلية، ومنظومة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات - كما يتطلب تنسيقاً مع قيادة «سنتكوم» بشأن كل منظومات الدفاع في الشرق الأوسط ومع الدول العربية المجاورة، كما كان الحال في الضربات خلال نيسان/أبريل وتشرين الأول/أكتوبر 2024.
على افتراض أنه في بداية الهجوم الأميركي لن يتم إطلاق نار في اتجاه إسرائيل، ينبغي على إسرائيل أن تبقى خارج اللعبة. من الواضح أن لها مصلحة مباشرة في إسقاط النظام، لكن في حال عدم وجود إطلاق نار، وفي هذه الأوضاع، يجب على إسرائيل أن تترك العمل للجيش الأميركي وألاَّ تدخل الحملة إلاَّ إذا تعرضت لهجوم.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية