أييلت شاكيد
مساء أول من أمس، توجّهتُ إلى مستشفى تل هشومير لزيارة عائلة ضابط مدرعات بطل يُدعى آساف ساندَر الذي قاتل قرابة عامين في غزة، وقبل نحو ثلاثة أسابيع، تعرّض طاقم دبابته لإصابة بليغة جداً، فقُتل ثلاثة من زملائه، وأصيبَ هو إصابة خطِرة جرّاء الانفجار في الدبابة، وقاتل بشجاعة لإنقاذ زملائه، واليوم يقاتل كالأُسْد ضد الحروق، وأنا على يقين من أنه سينتصر أيضاً.
مَن يزُر عائلات القتلى والجرحى في المستشفيات، يرَ بأمّ عينيه ويشعر في قلبه بثمن الحرب، لكنه يستمد أيضاً الأمل والتفاؤل من الروح التي تسري في نفوس أولئك المستعدين للتضحية بحياتهم من أجل تثبيت حدود آمنة لكل سكان الدولة، وإعادة إخوتنا وأخواتنا من يد العدو.
هؤلاء الأبطال، للأسف، هم أيضاً تذكير مؤلم بالانحطاط الأخلاقي والتحريف لليهودية الذي تمارسه القيادة الحالية، وكيفية عملها؛ فقد خرجتُ من المستشفى وشاهدتُ مقطع الفيديو لأرييه درعي [زعيم حزب شاس]، وهو ليس وزيراً بصورة رسمية، ويبدو أيضاً أنه ليس عضواً في الائتلاف، لكنه لا يزال جزءاً من المنتدى المصغّر الذي يقرّر إرسال الجنود إلى المعركة. وقد سمعته يقول بوضوح لجمهوره: «حتى في زمن الحرب لا تتجندوا، ولا تنخدعوا، وحتى لو أردتم المساهمة، فاستمروا في دراسة التوراة.»
وبعبارة أُخرى: دعوا «المغفَّلين»، والعلمانيين، وأبناء الصهيونية الدينية (الذين يدرسون التوراة أيضاً ويخاطرون بحياتهم في المعارك) يحترقون في الدبابات، أمّا أنتم، فواصلوا التهرّب. بدلاً من أن يحدّث جمهوره عن أبطال درسوا التوراة وقاتلوا وقدّموا أرواحهم، فهو يوجّه الشباب الحريديم بصورة صريحة نحو عدم التجنيد. والحال اليوم هو أنه مع لواء «الحشمونائيم» الذي يقوم بالكامل على الطابع الديني، فإنه ليست هناك أي ذريعة لعدم التجنيد، فمَن يدخل حريدياً يخرج حريدياً. وعلى القيادة الحريدية أن تذهب إلى هناك، لترى هؤلاء المقاتلين الرائعين، وتشجّع الشباب الحريديم على المشاركة في القتال من أجل أرضنا، بالتوازي مع دراسة التوراة.
أرييه درعي، باسم أي يهودية تعمل؟
أسأل أرييه درعي: باسم أي يهودية تعمل؟ أين ورد في التوراة أنّ من الفريضة التهرّب من الحرب؟ أين؟ إنما بالعكس تماماً، ففي «حرب الفريضة» يخرج الجميع، حتى العريس من خدره والعروس من حجرتها. كيف حرّفتم اليهودية إلى هذا الحد؟
وليت الأمر اقتصر على القيادة السياسية للجمهور الحريدي؛ ففي اليوم نفسه، جرى تمديد فترة الخدمة في وحدات المشاة والكوماندوز بأربعة أشهر وثمانية أشهر على التوالي. وفي الظهيرة، قام هذا الائتلاف بإقالة رئيس لجنة الخارجية والأمن، عضو الكنيست يولي إدلشتاين، لأنه رفض مطالب الحريديم بإعفاء جمهور كامل من عبء القتال، وبذلك فعلياً يُشرعَن المسار المؤدي إلى التهرّب من الخدمة.
لا يُصدَّق وفق أي سلّم قيم مشوَّه تعمل السلطة الحالية، التي تضم - ويا للعار - حتى أولئك الذين يدّعون تمثيل الجمهور الديني – الوطني، ويحتكرون لأنفسهم حصرياً التمثيل السياسي لأفضل أبنائنا. وبدلاً من أن يضرب سموتريتش وجماعته بِيَدِهِمْ على الطاولة، ويقولوا «يكفي إلى هذا الحد»، فقد تحولوا إلى مقاولين لتنفيذ التهرّب المُمأسس.
فقط قيادة فقدت الحياء جذرياً وبلا رجعة هي القادرة على الاندفاع بلا كوابح نحو التهرّب الشامل من الخدمة لجماهير كاملة، في الوقت نفسه الذي تعلن فيه (عبر «مصدر سياسي رفيع») نيتها احتلال قطاع غزة، بينما من الواضح أن تحقيق خطة طموحة كهذه يتطلب زيادة حجم القوات في القطاع، وزيادة عبء الخدمة على المقاتلين الذين يرزحون أصلاً تحته، وقد أُنهكت أكتافهم وتعبت من ثقل الحمل.
هناك حلٌّ بسيط لكل المناورات السياسية التي تمارسها السلطة الحالية من أجل بقائها: لو أراد هؤلاء الساسة الصغار تجنيد الحريديم وتخفيف العبء، فكل ما عليهم فعله هو تطبيق القانون القائم (قانون الخدمة العسكرية).
لكن هذه الحكومة لا تبحث عن حلول، ولا تحاول حتى منْح دفعة دعم إلى المقاتلين، إنما تصرّ على بثّ صورة للتجمّع الإسرائيلي تجسّد فساداً صهيونياً وخللاً يهودياً؛ حكومة «من الجيد أن نموت من أجل وطننا» تنطبق على جزء من السكان، وليس على الجميع.
المصدر: يديعوت أحرونوت
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية