عوفر كسيف
في يوم الاثنين، وقَّعت في الكنيست واحدة من أكثر الحوادث المخزية في تاريخها؛ فخلال العامين الأخيرين من حرب الإبادة والإهمال الوحشي، توقف الكنيست فعلياً عن كونه ساحة يمكن التعبير فيها عن مواقف تدعو إلى وقف إطلاق النار والسلام، أو - لا سمح الله - التذكير بإنسانية الفلسطينيين، ومع ذلك، فإن عرض النفاق والتملق والخداع الفاضح، الذي فُصِّل خصيصاً من أجل الثنائي المستبد دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، مثلما حدث هذا الأسبوع، لم يسبق له مثيل.
لقد استُبعدت عائلات الأسرى وضحايا «المذبحة» إلى الهامش، بينما امتلأت شرفات الكنيست بالمصفقين من أتباع الليكود، تنفيذاً لأوامر السيد. لكن، ما الذي يمكن أن نتوقّعه من طائفة عبادة الشخصية «البيبية» (نسبةً إلى بيبي نتنياهو) عندما قبلت المعارضة أيضاً - بخنوع - دورها في هذا المشهد المخزي، وانضمت بالتصفيق إلى طقوس تمجيد الذات والحملة الانتخابية التي دبّرها العم سام لمصلحة «رئيس حكومة الدم والإهمال»، بما في ذلك التدخّل الفجّ في محاكمته الجنائية، أمام رئيس الدولة.
أمام هذا العرض الإمبراطوري المقزز، اخترنا، أنا وزميلي أيمن عودة، أن نهتف: «الملِك عارٍ». لم نصرخ، لم نثُر، ولم نخرق قواعد المراسم البرلمانية. كل ما فعلناه هو رفع لافتة واحدة تحمل مطلباً واحداً: الاعتراف. كانت لافتة احتجاجنا محاولةً بسيطة لمنح الحقيقة مكاناً صغيراً وسط بحر الأكاذيب والخداع والتملق الذاتي الذي قدّمه المسؤولون المباشرون عن سفك الدماء؛ إن حقيقة العدالة والشفاء والاعتراف ضرورة لا بد من طرحها في منصة الكنيست من أجل الماضي، لكن بشكل خاص من أجل المستقبل.
إن المحاولة القسرية لإعادة تسويق نتنياهو وترامب على أنهما «صانعا سلام» كان يمكن أن تكون مثالاً للكوميديا العبثية، لولا أنها غُلّفت بحزن تراجيدي دامٍ. إن الفرح بتحرير الأسرى وعودتهم إلى أحضان عائلاتهم المعذبة لا يمكن أن يكون كاملاً، ونحن نعلم أنه لولا الاحتجاج الشعبي الشجاع في إسرائيل، لما وضعَ نتنياهو تحريرهم ضمن أهداف الحرب الرسمية، ولما رأى ترامب في ذلك مكسباً يمكّنه من تعزيز صورته العامة.
كانت صيحات الازدراء المدوية في «ساحة الأسرى» - التي غابت عن منصة التملق التي أعدّها العبد المطيع أمير أوحانا لسيده - لا تزال ترنّ في آذاننا، وكذلك صرخات الألم من خيمة ضحايا «المذبحة» أمام الكنيست، الذين حرضت آلة السموم (الإعلامية) ضدهم، مراراً وتكراراً، لكن لم يكن الازدراء لنتنياهو وحده هو الذي حرّكنا، بل أيضاً حقيقة دور ترامب في سفك الدماء والإبادة. فقط عندما أصبح الارتباط بإسرائيل عبئاً على الرئيس، ومضراً بالمصالح الإمبراطورية للولايات المتحدة، بدأ الضغط الحقيقي من جهته نحو وقف إطلاق النار وإنهاء الإبادة، لم تكن الحرية والأمان للأسرى - الذين كان يمكن إطلاق سراحهم منذ آذار/مارس - هما ما يشغل ترامب ونتنياهو، بل حريتهما في تعزيز مصالحهما الإمبراطورية في الشرق الأوسط، ولولا خروج الملايين في عواصم العالم للمطالبة بوقف الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني والاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة، ولولا أن هذه الاحتجاجات حرّكت الجبال الدبلوماسية وأدّت إلى فرض عقوبات على إسرائيل والاعتراف بفلسطين، لما انتهت المذبحة، ولما أُفرج عن الأسرى.
أراد ترامب جنيَ ثمار نضال المقاتلين الحقيقيين من أجل السلام، أولئك الذين لا يزال يصنّفهم، هو والحكومة، كـ»معادين للسامية» ويلاحقونهم، بينما يحتضنون أحزاب اليمين الفاشية والعنصرية، وحتى المعادية لليهود أنفسهم.
لكن الأهم من الجدل في جرائم الماضي هو النضال من أجل المستقبل - مستقبل سلام حقيقي. إن الشعار الترامبي «السلام من خلال القوة» يروق لآذان حكومة اليمين، لأنه يسمح لها بالاستمرار في الوهم بأن القوة والعنف العسكري يمكن أن يحققا الأمن والازدهار من دون إنهاء الاحتلال؛ إنها الفكرة عينها التي تحطمت على صخرة الواقع القاسي في «مذبحة» السابع من أكتوبر، لكن لا يمكن أن يكون هناك أمن وازدهار في إسرائيل من دون إنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات وإقامة دولة فلسطينية.
في عهد الثنائي نتنياهو وترامب، بقيت إسرائيل والولايات المتحدة من الدول القليلة - إلى جانب بعض الجزر الصغيرة في المحيط الهادئ - التي لا تزال ترفض الاعتراف بدولة فلسطين، بل تسعى لإفشال خطوات الاعتراف بها، أمّا المجتمع الدولي كله، فهو يقف اليوم كجدار صلب ضد طموحات الضمّ والإقصاء التي تسعى لها حكومة اليمين وحلفاؤها في «المعارضة»، متحداً في مطالبته بالاعتراف بدولة فلسطينية ضمن حدود الرابع من حزيران/يونيو.
لكن الخطر الكبير هو أن يستخدم نتنياهو طوق النجاة الذي قدمه له ترامب، ليس من أجل التقدم نحو سلام حقيقي قائم على الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، بل من أجل مواصلة المماطلة وتعميق الاحتلال. ففي الوقت الذي تحدث ترامب في الكنيست عن «شرق أوسط جديد يسوده السلام»، كان المستوطنون يواصلون بناء بؤر إرهاب ضد الفلسطينيين وطردهم من أراضيهم بعنف، لذلك، من واجبنا أن نضع مرآة الحقيقة، ليس فقط أمام ترامب ونتنياهو، بل أمام الجمهور في إسرائيل بشكل خاص. هذا الجمهور الذي يفرح من أعماق قلبه بتحرير الأسرى ووقف إطلاق النار، لكنه لا يزال يرفض رؤية الصلة بين استمرار الاحتلال واستمرار حُكم حكومة الدم والانقلاب السلطوي.
إن الاعتراف بدولة فلسطينية ليس فقط حقاً أساسياً للشعب الذي يئنّ تحت نير احتلال وحشي، بل هو أيضاً مصلحة إسرائيلية عليا؛ عندما رفعتُ اللافتة التي كُتب عليها Recognize Palestine («اعترفوا بفلسطين»)، فعلت ذلك أيضاً من أجلنا كإسرائيليين، ولكي ينعم أطفال الشعبين بالحرية والأمن والسلام الذي يستحقونه.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية