بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

28 كانون الثاني 2026 12:05ص هل يدعم ترامب المعارضة بعد كشف ألاعيب نتنياهو وإئتلافه المتطرِّف؟

حجم الخط
دو نمرود نوفيك

إعلان إدارة ترامب الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة النقاط العشرين بشأن غزة قدّم ثلاث طبقات من البنتهاوس، وهي: مجلس سلام عالمي، وذراع تنفيذية تابعة له، ولجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة القطاع. غير أن الأساسات والطبقات السفلية، التي من دونها يبقى هذا البنتهاوس معلَّقاً في الهواء، أي قوة استقرار دولية، وخطة لنزع سلاح «حماس»، ومنظومة واسعة لتوزيع المساعدات، ومصادر تمويل لإعادة الإعمار، لا تظهر في الأفق.
وأحد الأسباب المركزية لذلك هو رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي والائتلاف القومي - المسياني المؤيد للضم الذي شكّله والمعارضين كل هذه الخطوات. وبينما يتجاهل ترامب احتجاجات نتنياهو وشركائه بشأن تركيبة اللجان التي ستدير القطاع، فمن المشكوك فيه أنه يدرك الألغام التي زرعها الشريك الإسرائيلي على طريق تنفيذ خطته. في هذه الأثناء، يواصل ترامب الاستثمار في بنيامين نتنياهو بدلاً من الاستثمار في المعارضة، التي تقترب مواقفها في هذه القضايا من مواقفه هو.
حتى في تاريخ دولتين لم تحترما يوماً إعلانات عدم التدخل، فإن دعم ترامب لنتنياهو - وربما إلى حد مساعدته في الانتخابات - يُعد فظّاً وغير مسبوق، ويتجلى ذلك في دعواته المتكررة إلى وقف محاكمته، ولقاءاته معه التي فاقت عدد لقاءاته مع أي زعيم آخر خلال العام الماضي، وفي المديح المبالغ فيه الذي أغدقه عليه (ومن دونه «لما كانت إسرائيل موجودة»)، وكذلك في التقارير بشأن زيارة رئاسية مخططة لإسرائيل، تبدو محاولة لتعزيز فرصه الانتخابية.
من المعتاد أن نعزو كل ذلك إلى توقع ترامب أن يرد نتنياهو له الجميل ويساعده في تحقيق نصر إضافي، غير أنه كان يُفترض به أن يتعلم من مؤلف كتاب «فن الصفقة» ما أدركه أسلافه؛ غالباً ما تنتهي الاستثمارات في حسن نيات نتنياهو بصورة سيئة، وآخر مَن يمكنه الشهادة على ذلك هو مبعوثه ستيف ويتكوف؛ فهذا الرجل، الذي أصبح بحق محبوباً في إسرائيل بسبب كفاحه الحازم لإعادة الأسرى ودعمه عائلاتهم، تحوّل إلى فريسة لماكينة التحريض، ومجرد مطالبته نتنياهو بالوفاء بالتزامه لترامب بفتح معبر رفح جعله فجأة «عميلاً قطرياً».
وبصفته رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي خدم بالتوازي مع عدد من الرؤساء الأميركيين أكثر من أي من أسلافه، فقد طوّر نتنياهو قدرته على التلاعب بساكن البيت الأبيض إلى مستوى فنٍّ متكامل. وهو يستخدم أربع حيل أساسية لتعطيل سياساتهم:

الأولى: التدرُّج

قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر بوقت طويل، كان الضم الزاحف استراتيجيا لتطبيع التغيير في الضفة الغربية بعيداً عن أنظار واشنطن. ومنذ وقف إطلاق النار، وُلد «التوأم الغزّي»: التصعيد الزاحف. في كلتي الساحتين الهدف واحد: إنشاء وقائع على الأرض قبل أن تدرك واشنطن التأثير التراكمي، وقبل أن تمارس ضغطاً لمنع انهيار وقف إطلاق النار في غزة أو اندلاع العنف في الضفة.

الثانية: مسرح العجز

يقول نتنياهو للرؤساء: «أنا أريد، لكنني لا أستطيع»، متذرعاً بخطر انهيار حكومته إذا استجاب لمطالب يعارضها شركاؤه.

الثالثة: تغيير جدول الأعمال

عندما يشتد الضغط، يتم تغيير الموضوع. وهكذا، عشية لقائه الأخير مع ترامب، حين كان واضحاً أن لبنان وسورية والضفة وغزة ستكون في صلب المحادثات، أعيدت إيران فجأة إلى واجهة المشهد عبر تصعيد الخطاب الإسرائيلي.

الرابعة: العرقلة التكتيكية

إغراق واشنطن في تفاصيل قضية هامشية، وتصويرها كمسألة شبه وجودية، وخوض معركة شرسة حولها، ثم التنازل عنها بسخاء، ويفضَّل أن يُقدَّم التنازل إلى الرئيس شخصياً. وبهذه الطريقة يتم كسب الوقت، وإرباك كبار المسؤولين في الإدارة، وصرف انتباههم عن قضايا أكثر إزعاجاً، وربما أيضاً الحصول على تعويض كبير بعد أن يشعر الرئيس بالامتنان.
والتعامل مع معبر رفح يجسد أحد هذه التكتيكات؛ فعلى الرغم من أن فتحه لا يهدد أمن إسرائيل، فقد صوره نتنياهو كمسألة حيوية لأمنها، ولأشهر طويلة عارض فتحه بشدة، وأجبر الوسطاء الأميركيين على الخوض في تفاصيل عديمة الأهمية والتنقل بين عواصم المنطقة بحثاً عن تسويات، وفي النهاية وافق على فتحه، لكن خلافاً لخطة الرئيس، فقد سمح فقط بخروج السكان من القطاع، أمَّا «التنازل» النهائي، والسماح بالحركة في الاتجاهين، فقد منحه إلى ترامب شخصياً خلال لقائهما في فلوريدا. وحتى حينها، لم تنتهِ الدوامة المصطنعة؛ إذ أُهدر وقت إضافي قبل تنفيذ القرار.
عبر استثماره في نتنياهو، لا يكتفي ترامب بتجاهل كل هذه الحيل والندوب التي خلّفتها تجارب أسلافه، بل أيضاً يخطئ في مسألتين جوهريتين: الأولى تتمثل في افتراض أن نتنياهو قادر على توفير ما يلزم لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة في غزة واستقرار الضفة. فالانتقال إلى المرحلة الثانية يتطلب منح دور إلى السلطة الفلسطينية، ومن دون ذلك ترفض الدول العربية والإسلامية المساهمة بقوات وأموال. كما تتطلب هذا المرحلة مساراً متدرجاً لنزع سلاح «حماس» والتزاماً إسرائيلياً بالانسحاب الكامل - ولو بالتدريج - من القطاع. أمَّا استقرار الضفة، فيتطلب كبح الضم الاستيطاني، وفرض القانون والنظام على المستوطنين العنيفين، والتعامل مع السلطة كشريك لا كعدو.
وحتى لو كان نتنياهو نفسه قادراً على التعايش مع هذه المطالب (وهناك مجال واسع للشك في ذلك)، فإن شركاءه الائتلافيين ملتزمون أيديولوجياً بإفشالها. ومع اقتراب الانتخابات المتوقَعة هذا العام، ليس مستبعَداً أن يفضّلوا إسقاط الحكومة وتقديم الانتخابات بسبب قضية أيديولوجية، وتحويل معارضتهم لهذه الخطوات إلى جوهر حملتهم الانتخابية.
أمَّا المسألة الثانية، فتتجسد في الاستخفاف بالمعارضة الإسرائيلية. صحيح أنها غير متجانسة، لكنها تشترك - على ما يبدو - في موقف موحد إزاء قضيتين مركزيتين على جدول أعمال ترامب: في غزة، وبعكس نتنياهو وشركائه، تسعى المعارضة لإنهاء الحرب، وهي ملتزمة بنجاح خطة النقاط العشرين، وتفهم ضرورة إشراك السلطة الفلسطينية وضخ مساعدات إنسانية واسعة، كما أنها تملك خبرة أمنية كافية وواقعية تدرك معها أن نزع سلاح تنظيم «إرهابي»، كما في كل أنحاء العالم، هو عملية طويلة وليس ضربة واحدة حاسمة.
على أحدهم أن يهمس لترامب بأن الوقت قد حان لإعادة حساب المسار؛ فإذا كان مهتماً بشريك إسرائيلي مستعد وقادر على إنهاء الحرب، وتثبيت الاستقرار في غزة، وخفض التوتر في الضفة، ودفع الاستقرار الإقليمي قدماً، فعليه أن يستوعب أن الجواب لا يكمن في استثمار إضافي في نتنياهو، بل في الاستعداد لليوم الذي سيأتي بعده.

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية