الحفر على الموقف الأميركي الحقيقي من إيران، مثله الحفر على الموقف الحقيقي الإيراني في تحوّلات السياسة الأميركية اليوم، هو حفر يجب أن يكون في عمق صحارى الرمال، أو قل: حفر في قيعان البحار والمحيطات. فليس من السهل أن تعرف حقيقة الموقف الأميركي ولا حقيقة الموقف الإيراني. فكل تحركات ومواقف مثل هذا الصراع الظاهري المشدود، إنما يخفي في طياته، ورقة مموّهة بدقّة، لكنها ذات نبرة تصالحية خفية، هي بالتأكيد غير هذه الورقة العلنية البائسة واليابسة واليائسة، التي تتحدث عن الزحف الأميركي المائي، وعن تزلج سفن الأسطول الأميركي فوق الماء، أو تحته. تماما مثلما تتحدث عن الذكاء الإصطناعي الإيراني في الاستعدادات المستنفرة الإيرانية للمواجهة العسكرية التي ستندم عليها أميركا (حتما)، في مضيق هرمز وباب المندب، وتحريك من بعد، الأذرع ورؤوس الصواريخ الباليستية وكذلك الغواصات وأرتال الدبابات البرمائية الإيرانية، وجميع أنواع الأسلحة التي لم يكشف عنها بعد.
فالحرب الجادّة، كما أزعم، بين هذين الجبارين، إنما تستطلع أو تستكشف، من دعوة الرئيس دونالد ترامب، للقاء (حميمي وودود) مع السيد علي خامنئي، والجلوس على كوب شاي، أو كوب ماء، وربما تركيب قعدة على «كيس شبس»... فما أدرانا.. ولم نقول سلفا لا...
أميركا أوقفت حرب الـ12 يوما الإسرائيلية - الإيرانية، بثلاث ضربات فقط، وقالت بالفم الملآن على لسان الرئيس ترامب: إنتهت الحرب، وخاتمة الأحزان، وان الأهداف تحققت، ولتخرس الصواريخ والقاذفات على جميع الجبهات... وهذه المواقف المستجرّة اليوم، ليست إلّا من باب الدخول في التفاصيل، وفي عمق المناقشات، لإرساء قواعد جديدة لكل إشتباك قادم، على إعتبار، أن وظيفة نظام الملالي في إيران، هو لديمومته، ربما إلى نهاية هذا القرن، أو ربما لأواسط القرن القادم، والعلم عند الله.. وبالتالي هو لصالح ديمومة الاشتباكات، لأنه نظام له وظيفة تبشيرية، ووظيفة جهادية حتى ظهور المهدي، وإرساء السلام. وتحت هذه المظلة أو المروحة الواسعة، يتم الصيد الأميركي، بواسطة الأذرع الصالحة: الإسرائيلية والعربية والإسلامية وربما غيرها...
إيران قوة إقليمة، أرادتها أميركا، لتعيد التوازنات في منطقة الشرق الأوسط: بين إسرائيل وتركيا وسوريا وإيران. فالصراع على أشدّه في الواجهة. وهو أشدّ بآلاف الدرجات في الأعماق، حيث ترسو المصالح الأميركية، التي ترى، والتي لا ترى بالعين المجردة.
أميركا تتحرك على السطح، وهي شديدة الهدوء في العمق. فالحركة الخارجية هي «بركة» لها، لأن لها ميزانيتها لـ«روداج» الأساطيل، من جيوب الأجاويد. فالقصة كلها قصة مصاريف وإنفاق، وميزانية تشغيلية مرهقة، ولا تريد أميركا أن يتكبّدها أبدا شعبها، لأن هناك دول بقضها وقضيضها، تشتغل لصالحها، فلماذا تتكبد المصاريف، نفسها بنفسها.
السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية، هي السياسة الحكيمة. كلها حكمة لها: لا سلام بالمطلق، ولا حرب في العاجل القريب، بل قلق دائم في المنطقة، ورقص على حبال التوازنات، التي تعيد خلط الأوراق بين الحين والآخر. وهذه هي الإستراتيجية الأميركية الساخنة، هي المنشودة والمرتجاة.
الدعوة الأميركية للقاء القطبين: ترامب وخامنئي، تحمل في طويتها، نبرة تصالحية. تخطب ودّ الشعب الأميركي. كما تخطب ودّ الشعب الإيراني. تماما مثلما تخطب ودّ الشعب السوري، والشعب التركي والداخل الإسرائيلي، والخليج العربي... وهذا في حد ذاته يدعو لأخذ النفس العميق، بأن الحرب صارت بعيدة عنا.
روّقوها يا شباب.. فلنذهب إذن إلى الرواق، ولنستمع مليّا، بل جيدا إلى الخطاب الطازج، لأمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، فـ«عند جهينة الخبر اليقين»، وهو الذي إلتمس مناسبة العزاء، للتصريح العلني والجاد: «بأن الحزب لا يريد الحرب. ولا هو ذاهب إليها». و(خيّطوا) بغير هذه المسلة، كما يقول الشيخ سعد الحريري، عن الإستعداد للإستعداء بين السعودية والإمارات...
إنها لكذلك أيضا، نبرة تصالحية لا تخفى على ذوي الألباب، لأننا «إذا أردنا أن نفهم ماذا يجري في البرازيل، علينا أن نعرف ماذا يقول الطليان».
الحرب بآفاقها كلها اليوم، إنما هي حرب وحدة الآفاق، تماما مثلما كانت في السابق: حرب وحدة الساحات. وعلينا أن نروق كثيرا، حتى تنتهي المفاوضات في جنيف على أوكرانيا، ولو تباطأت المفاوضات مع الروس. ولو تباطأت أيضا في مسقط وفي جنيف، على تخصيب النووي وعلى الأذرع أيضا، في إيران.
مشروع الرئيس دونالد ترامب اليوم في سوريا وفي غزة، وهو في يده، في ظل توازنات القوى بالركلات. فكيف يذهب إلى الحرب مع إيران، وهو يدعوها للجلوس وللطاعة و للمباركة لها بنظام المالي، وبالمرشد العام. وأما النبرة التصالحية الظاهرة، كما نراها، في كل الحركات السياسية والعسكرية الأميركية القائمة، فإنما هي التي تشي بها! ولا يخفى ذلك على الأركولوجيين الذين يحفرون في عمق الحركات، وفي عمق الخطابات والكلمات...