بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 تشرين الثاني 2025 12:00ص أي رسالة على لبنان أن يفهمها؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

أفادت صحيفة «إسرائيل هيوم» أنه من غير المستبعد أن تطلق إسرائيل عملية استباقية تستمر عدة أيام ضدّ أهداف لحزب الله في مختلف المناطق اللبنانية.
هذا ونقل عن مسؤول إسرائيلي عسكري قوله إنه إذا «فهم الجيش اللبناني والدولة اللبنانية الرسالة الإسرائيلية، من خلال الضربات والقنوات الدبلوماسية يمكن تجنّب التصعيد».
هذا وشهدت المنطقة الجنوبية في لبنان تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، التي تمثلت في إصدار الجيش الإسرائيلي، الخميس 6 تشرين الثاني الجاري، إنذارات عاجلة لعدد من البلدات الحدودية، وهي طيردبا، الطبية، عيتا الجبل، زوطر الشرقية، وكفردونين، طالبا من السكان إخلاء منازلهم فوراً.
هذا التصعيد الممنهج من الجانب الإسرائيلي، تزامن مع انعقاد جلسة لمجلس الوزراء اللبناني مخصصة لعرض قيادة الجيش حول الخطوات العملانية التي يقوم بها في منطقة جنوب اللبناني في ما يتعلق بحصرية السلاح وبتفكيك البنى العسكرية لحزب الله.
رسالة «بالنار» تلقّفتها الدولة اللبنانية، عبر رئيس البلاد جوزاف عون قائلًا أن «الرسالة وصلت»، وفي فحواها أن عدم ذهاب لبنان نحو تسوية، وتلكؤ الجيش اللبناني عن سحب سلاح الحزب وتفكيك بنيته التحتية، يعني أنه اختار المواجهة العسكرية مع إسرائيل. فهناك معادلة تبنّتها الدولة الراعية لوقف النار، الإدارة الأميركية، ركيزتها «سحب السلاح أو الحرب».
رسالة أخرى تلقّاها الجانب اللبناني الرسمي، إذ ليس من باب الصدفة أن تحمل الضربات الإسرائيلية رسائلها، بعد ساعات من موقف حزب الله أوضحه في الكتاب المفتوح الذي وجهه إلى الرؤساء الثلاثة، إضافة إلى الرأي العام اللبناني، ليؤكد فيه على الاستمرارية في الحفاظ على السلاح لمقاومة إسرائيل.
لقد وضّح الحزب هدفه من هذا الموقف وهو «قطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة جرّ الدولة اللبنانية إلى جولات تفاوضية»، معتبراً أن هذه الخطوات لن تخدم الموقف اللبناني في مواجهة العدوان والانتهاكات المستمرة لوقف إطلاق النار.
أعاد موقف الحزب خلط الأوراق اللبنانية، في الوقت الذي يتمسّك فيه رئيس البلاد بورقة التفاوض للتوصل إلى تسوية. فكتابه وضع الدولة اللبنانية أمام املاءات بات التراجع عنها مؤشراً إلى حرب في الداخل. لقد دعا لعدم التزام الحكومة في تنفيذ بنود القرار رقم 1701، لا سيما ما يتعلق بسحب السلاح، رغم أن مصادر السراي لم تزل ممسكة بحصرية السلاح، وهذا ما يرفع من حدّة المواجهة الداخلية، وما ينذر بدخول لبنان فوضى الحرب الأهلية مع تمسّك بعض الأفرقاء على ضرورة تطبيق الدولة مقرراتها التي صدرت في 5 و7 آب الماضي في جلسة الحكومة.
ليس هذا وحسب، بل إن الذهاب بتطبيق بيان الحزب هذا يعني مواجهة دولية وعربية، والدفع بلبنان نحو المزيد من العزلة. فهذا الخيار، يعزز أيضاً من حتمية الحرب في الداخل، إضافة إلى خسارة لبنان الدول الداعمة له في سبيل إعادة إعماره، لا سيما بعد الدعوات التي رفعت شعار «سحب السلاح مقابل الإعمار».
في قراءة هادئة في توقيت توجيه كتاب حزب الله، يتبيّن أنه لا يستطيع فصله عن تطورات المنطقة، خصوصاً بعد قرار رئيس الحكومة العراقي، محمد شياع السوداني، الذي ربط مسألة نزع سلاح المجموعات التابعة لإيران، بانسحاب كامل لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. إذ وجد المتابع أن كتاب الحزب الموجّه إلى المسؤولين في لبنان، يحمل في مضمونه أبعاداً إقليمية ودولية تتمثل في إن هذا السلاح هو جزء من استراتيجية كبرى ترتبط بمحور إيران في المنطقة، وإن الجماعات العراقية كما اللبنانية، كما تلك المنتشرة في المنطقة لن تساوم في مسألة السلاح.
تتّقن إسرائيل لعبة المعادلات، فهي التي رفعت بعد حرب النكسة 1967 معادلة «الأرض مقابل السلام»، حوّلتها اليوم إلى «السلاح مقابل السلام»، على اعتبار أن الموضوع نزع سلاح المحور المرتبط بإيران هو الطريق نحو وقف التصعيد.
دخل لبنان نفق المعادلات التي لن يستطيع الخروج منها إلى عبر الحرب، وإن الانسداد في أفق الحلول يعرقل الدبلوماسية، ويضع الحكومة اللبنانية أمام مشهدية الإصرار على حصرية السلاح وربط قرار الحرب والسلم في يد الدولة، هذا ما أكده عليه رئيس الحكومة نواف سلام، خلال جلسة قمة «لبنان للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي»، الجمعة 7 تشرين الثاني الجاري.
هناك مطلب دولي يحثّ لبنان في التفاوض لكن ليس بشروطه، بل التفاوض بتمثيل سياسي تماماً كما حصل في سوريا. وفي المقلب الآخر، تخرج إيران بتأكيد على استمرارية دعمها لحزب الله في مواجهة العدوان الإسرائيلي. فبين هذا وذاك، يدور لبنان في فلك التغيير الواضح لخارطة المنطقة التي تقودها الولايات المتحدة تحت عنوان إعادة تركيب الموازين الجديدة.
بين الرسالتين بات لبنان أمام خيارين أحلاهما «حرب»، فهل سيكون التاريخ ما بعد الزيارة المنتظرة لقداسة البابا إلى لبنان في 1 و2 كانون الأول هو موعد الحرب الرابعة بين الحزب وإسرائيل؟ أم ما قبلها وفي ظلّ الانقسام الداخلي الحاد، قد تشهد الساحة اللبنانية على مزيد من التوترات؟