ليس من قبيل المصادفة أن تعود مدينة حلب إلى صدارة الخطاب السياسي الاقتصادي في سوريا، كما ليس عرضياً أن تغرق طرابلس في انهيارات أبنيتها وفقرها المزمن وحرمانها المتراكم. ما يجري في شمال سوريا وما يتفاقم في شمال لبنان ليسا حدثين منفصلين، بل مشهدين متوازيين في صراع أعمق... صراع الدولة مع ذاتها وصراع الكيان مع مرتكزاته الاقتصادية والإنسانية.
حين أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن أكثر من 50% من الاستثمارات الجديدة في سوريا ستُضخ في حلب، لم يكن يتحدث عن مدينة بقدر ما كان يعبّر عن منطق دولة يدرك أن إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من العصب الإنتاجي لا من الواجهات السياسية أو الأمنية. تاريخياً، لم تكن حلب مجرد محافظة بل كانت العاصمة الاقتصادية لسوريا وعقدة التجارة والصناعة والزراعة ومحطة مركزية على طريق الحرير بين المتوسط وبلاد الرافدين... ومن ينهض بحلب ينهض بسوريا.
في المقابل يقف شمال لبنان وطرابلس تحديداً أمام مشهد معاكس تماماً، مدينة تُهمَل عن قصد تُستنزف اجتماعياً واقتصادياً وتُترك أبنيتها تتداعى فوق رؤوس فقرائها، فيما تدير الدولة ظهرها لكل ما يمكن أن يجعل منها قاطرة نهوض وطني حقيقي.
كشفت التطورات العسكرية الأخيرة في الشمال السوري ولا سيما تقويض نفوذ ميليشيات «قسد» حقيقة يعرفها كل خبير اقتصادي، هذه المناطق ليست هامشاً جغرافياً بل قلب سوريا الإنتاجي. هناك يُزرع القمح وتُدار السدود الكبرى وتُستخرج غالبية النفط والغاز وتُؤمَّن سلة الغذاء المستدامة. من يسيطر على الشمال يملك مفاتيح الاقتصاد والطاقة والمياه... والممرات الاستراتيجية.
من هنا فإن الإصرار السوري الرسمي على وحدة الأراضي واستعادة الشمال لا يندرج في إطار السيادة السياسية فحسب بل يشكّل خياراً اقتصادياً وجودياً. فالدول لا تعيش بالسياسة وسلطة الأمن وحدها بل بمنظومات إنتاج تحمي الاستقرار الاجتماعي وتمنع تفكك الكيان.
أما في لبنان فالصورة أكثر فجاجة. طرابلس ثاني أكبر مدينة لبنانية والعاصمة الاقتصادية الحقيقية المُغيَّبة، تُعامَل منذ عقود كعبء لا كفرصة. مدينة تملك من المقومات ما لو وُضع في دولة أخرى لجعلها مركزاً إقليمياً مزدهراً، موقع جغرافي فريد كممر طبيعي إلى سوريا والعالم العربي، مرفأ هو الأهم على مستوى لبنان والمؤهَّل ليكون بوابة إعادة إعمار سوريا ورافعة نهوض الاقتصاد اللبناني، مصفاة نفط مرتبطة تاريخياً بالنفط العراقي وخطوط الترانزيت، مدينة صناعية مهجورة عند مدخلها جاهزة لإعادة الإحياء، ومعرض رشيد كرامي الدولي تحفة معمارية وقيمة اقتصادية مهدورة تتجاوز أهميته لبنان. يضاف إلى ذلك تراث سياحي فريد، من المدينة القديمة إلى القلعة والجزر البحرية والشاطئ الطويل. والأهم من كل ذلك ثروة بشرية شابة تُترك اليوم للفقر أو القمع أو الهجرة عبر قوارب الموت.
ورغم كل ما سبق لم تستفد طرابلس من دولار واحد من مليارات صندوق المهجّرين ولم تُنشأ لها صناديق إعادة إعمار رغم كل مراحل العنف والحروب التي مرّت بها، كما حصل في الجبل والجنوب وسواهما. بل جرى تحويل فقرها إلى أداة انتخابية رخيصة وحرمانها إلى وسيلة ضبط سياسي اقتصادي اجتماعي.
أما عكار التي كانت ترفد الخزينة اللبنانية في سنوات الاستقلال الأولى، فقد تحوّلت إلى أفقر المناطق اللبنانية. سلة لبنان الغذائية تُترك بلا تصنيع زراعي بلا مشاريع حديثة وبلا بنى تحتية، وتواجه عرقلة ممنهجة لمشاريع التنمية بلا خجل ولا رادع أخلاقي. مطار القليعات المؤهَّل ليكون من أهم مطارات المنطقة معطّل لأسباب سياسية معروفة، فيما يهاجر شباب عكار بحثاً عن أي وظيفة قد يكون أهمها التجنيد لا عن فرصة حياة. عكار ليست هامشاً، إنها العمق الزراعي والأمني والاقتصادي للشمال وممر استراتيجي نحو سوريا. وتجاهلها ليس إهمالاً بل انتحار اقتصادي بطيء.
ما يحتاجه شمال لبنان ليس صدقات ولا خطابات بل عدالة انتقالية حقيقية. عدالة تعني إنصاف المناطق التي دُمّرت اجتماعياً وأمنياً وشُوّهت أعلامياً، وتعني تحويل المقومات الاقتصادية فيها إلى مشاريع إنتاجية وكسر منطق «المناطق الممنوعة من النمو» والممنوعة من المعرفة والتطور.
حين يشعر المواطن أن دولته تحميه وتستثمر فيه لا يبحث عن «حضن دافئ» خارج حدوده كما سمعنا مؤخراً من أحد المتألمين من انهيارات الأبنية ولا يُستدرج إلى مشاريع تطرف أو تفتيت أو عنف.
انهيارات الأبنية في طرابلس ليست مجرد حوادث عرضية إنها إنذار دولة فاشلة. ففي منطقة زلزالية شهدنا فيها كوارث مدمّرة في تركيا والشمال السوري، فإن تجاهل آلاف الأبنية المتصدعة يُعد جريمة موصوفة. والدعوة إلى مؤتمر عربي ودولي عاجل لمعالجة هذا الخطر ليست ترفاً سياسياً بل ضرورة إنسانية ووطنية.
التاريخ الحديث واضح، الاتحاد الأوروبي لم يُبنَ بالشعارات بل بالاقتصاد وحقوق الإنسان والديمقراطية الفعلية. أما الجدران العنصرية والعزل الطائفي المنتشرة بيننا والأمن الأستبدادي فلا تحمي الدول بل تُسرّع انهيارها. سقط جدار برلين وسقطت قبله كل الأنظمة التي قامت على القمع والحرمان وسيسقط كل جدار عزل بُني ضد الشعوب تحت عناوين الأمن أو الإرهاب المُلَفَق مهما فعلت الأجهزة المتوارثة من المرحلة البائدة.
إذا كانت الإدارة السورية الجديدة تراهن على حلب كنقطة انطلاق للنهوض فإن لبنان لن ينهض من دون طرابلس. لقد انتهت لعبة «ثنائي المصرف والمرفأ» في بيروت الى غير رجعة وتغيّرت المعادلات.
المستقبل يبدأ من الشمال ومن التكامل مع سوريا ومن الشراكة العربية ومن اقتصاد منتج لا ريعي. طرابلس التي حوّلتها سلطة المحاصصة إلى «بيت الداء» قادرة أن تكون «مصدر الدواء» لكل الوطن. أنها مدينة العلم والعلماء بوابة لبنان إلى المشرق وعقدة المصالح الكبرى في شرق المتوسط.
أما من يصرّ على إبقائها في القاع فعليه أن يقرأ التاريخ جيداً، الكيانات لا تنهار فجأة... بل تموت حين تُهمل أطرافها وعندها لا ينفع الندم.
رحم االله شهداء طرابلس المظلومين.