لم يكن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، اغتيالاً جسدياً فقط ، بقدر ما كان اغتيالاً للمشروع الوطني الذي جسده ، وسعى لتحقيقه، باعادة بناء الدولة والنهوض بلبنان من جديد، بعد معاناته من الحروب الاهلية المتتالية التي مرت عليه، وازالة ويلات الاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة عنه، وبذل مساعيه الدؤوبة لاخراجه من تبعات ومخاطر سياسات المحاور والاحلاف المذهبية التي اجتاحت المنطقة العربية وهددت كيانه واستقلاله ووحدته وانتمائه العربي.
واذا كانت الظروف الصعبة والتحديات التي اعقبت جريمة الاغتيال،قد حالت خلال العقدين الماضيين دون اكمال مابدأه الرئيس رفيق الحريري لاعادة احياء لبنان من جديد ، وعطلت عمداً اي محاولة بذلت لتحقيق هذا الهدف، الذي يتعارض مع تصاعد حدة مشروع هيمنة ايران على لبنان، او التراخي الداخلي من القائمين على اكمال مشروعه، وعدم الجديّة اللازمة لانجازه، فإن تبدُّل الظروف وزوال العديد من هذه التحديات، بفعل المتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية، تفسح في المجال، لاعادة النظر والتفكير ملياً، بوضع خطة او خارطة طريق من القائمين والمؤيدين، لإكمال مشروع الرئيس الشهيد، والعمل بفاعلية مع المسؤولين لتنفيذه ، وبالامكان تحقيق ذلك ، لانه يتلاقى بمعظم عناصره الاساسية مع مشروع اعادة بناء الدولة الحالي، وتحقيق متطلبات النهوض بالوطن وتحسين مستوى عيش اللبنانيين نحو الافضل، والانفتاح على الدول العربية الشقيقة وعلى دول العالم .
صحيح ان تبدلات كبيرة حصلت منذ جريمة اغتيال الحريري، تدفع البعض، لاعادة النظر او طرح تعديلات على مشروع النهوض العام بلبنان، ليتماشى مع متطلبات الحداثة والتطور القائم في مجالات عديدة بالداخل والخارج على حدٍ سواء، ولكن الصواب ايضاً ان كثيراً من المؤسسات والمرافق العامة والاساسية، إن كان في شبكات الطرق والجسور، او المستشفيات والجامعات وشبكات الاتصالات الحديثة، والسياسات الاقتصادية التي ارساها المشروع، ومكنت اللبنانيين من توفير كثير من متطلبات الخدمات الاساسية في حياتهم اليومية، وتسيير امورهم، في حين لم يتمكن كل من تعاقب على السلطة من بعده، من القيام بالحد الادنى من مكملات المشروع او ينفذ بديلا عنه.
في ذكرى اغتياله المشؤومة التي اصابت لبنان بالصميم ، واعادت مشروع بناء الدولة سنوات للوراء،واحدثت ضرراً فادحاً في عملية النهوض الاقتصادي والاجتماعي،واحباطاً لدى معظم اللبنانيين، يمثل استلهام مشروع رفيق الحريري للتقدم والتطور والحداثة، والتقارب مع الدول العربية الشقيقة والانفتاح على الخارج، افضل وسائل احياء هذه الذكرى، والوفاء لمن ضحى بنفسه وقضى لأجل بناء وطنه ونهضة اللبنانيين،وليس بتكرار الخطب الرنانة والوعود الجوفاء التي تذهب هباءً بعد حين.