لنكن واضحين: أي هجوم أميركي - إسرائيلي ناجح يؤدي إلى تحييد المشروع النووي الإيراني وتدمير قدراته الصاروخية الباليستية لن يكون مجرد ضربة عسكرية. سيكون زلزالاً استراتيجياً يعيد تشكيل الشرق الأوسط.
إيران اليوم ليست دولة عادية في المعادلة الإقليمية؛ إنها عقدة التوازن المضاد. وجودها العسكري، المباشر وغير المباشر، هو ما يمنع تحوّل التفوق الإسرائيلي إلى تفوق مطلق. فإذا أُزيل هذا العامل، فإن المنطقة لن تعود كما كانت.
كسر العمود الفقري للتوازن
إنهاء إيران كقوة عسكرية كبيرة يعني:
سقوط معادلة الردع المتبادل.
إضعاف جذري لمحور النفوذ الممتد من طهران إلى المتوسط.
تراجع قدرة القوى غير الدولتية على فرض معادلات عسكرية.
هذا لا يخلق فقط فراغاً، بل يخلق اختلالاً حادّاً. والتاريخ يعلّمنا أن الاختلالات الكبرى لا تبقى ساكنة؛ إما تُملأ بسرعة أو تتحوّل إلى انفجارات لاحقة.
إسرائيل بلا كابح؟
في هذا السيناريو، تصبح إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوّقاً بلا منازع تكنولوجياً وجوياً وصاروخياً. نعم، تركيا موجودة، ومصر قوة تقليدية معتبرة، والسعودية تملك إمكانات مالية وعسكرية، لكن لا واحدة من هذه الدول تتبنّى مشروع مواجهة شاملة مع إسرائيل.
هنا يبرز السؤال الحادّ:
إذا زال الخطر الإيراني، فما الذي سيمنع إسرائيل من إعادة تعريف حدود أمنها القومي بشكل توسعي؟
من الأمن إلى الجغرافيا
التحوّل الأخطر ليس عسكرياً بل سياسي - جغرافي.
حين تشعر دولة بتفوّق مطلق، تبدأ بتوسيع مفهوم «الأمن» ليشمل:
السيطرة الدائمة على الضفة الغربية.
حسم وضع غزة نهائياً.
تثبيت واقع الجنوب اللبناني حتى الليطاني.
ترسيخ ضم الجولان وجبل الشيخ.
هذه خطوات يمكن تسويقها أمنياً، لا أيديولوجياً. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يتحوّل التوسّع من شعار ديني هامشي إلى سياسة أمن قومي تدريجية.
هل «إسرائيل الكبرى» خيال؟
الحديث عن «من النيل إلى الفرات» غالباً ما يُرفض باعتباره شعاراً أسطورياً. لكن الأخطر ليس تحقيق الخريطة كاملة، بل التحرك خطوة خطوة تحت مظلة الوقائع الميدانية.
ضمّ دول كاملة كالأردن أو سيناء أو أجزاء من السعودية والعراق يبدو غير واقعي في المدى المنظور، لأسباب:
استحالة ديموغرافية.
كلفة عسكرية هائلة.
رفض دولي واسع.
لكن توسيع مناطق النفوذ غير المباشر؟
خلق ترتيبات أمنية طويلة الأمد؟
فرض وقائع حدودية تدريجية؟
هذا سيناريو أكثر واقعية وأقل صخباً.
العامل التركي... الكابح المحتمل
أي مشروع هيمنة مطلقة سيصطدم بتركيا قبل غيرها.
أنقرة لا تقبل بإعادة رسم الإقليم من دونها.
وفي حال تراجع إيران، قد تتحوّل المنافسة التركية - الإسرائيلية إلى محور التوتر الجديد في الشرق الأوسط.
إنهاء إيران عسكرياً لن يفتح تلقائياً طريق «إسرائيل الكبرى» بالمعنى الأسطوري.
لكنه سيزيل أكبر كابح استراتيجي أمام التفوّق الإسرائيلي.
والتفوّق المطلق، في أي نظام إقليمي، يولد دائماً إغراء إعادة رسم قواعد اللعبة.
السؤال ليس: هل ستُرسم خريطة من النيل إلى الفرات؟
السؤال الحقيقي هو: هل سيدخل الشرق الأوسط مرحلة هيمنة أحادية غير مسبوقة، أم أن قوى أخرى ستتحرك لمنع ذلك قبل فوات الأوان؟