مع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة، في وقت تبدو فيه إسرائيل المستفيد الاستراتيجي الأكبر من التحوّلات الجارية في الشرق الأوسط.
وفي خضم هذه التطورات، تراجعت إلى حد كبير قضية فلسطين نفسها في سلم الاهتمامات الدولية. فالعالم الذي كان يتحدث طوال عقود عن حل الدولتين بوصفه الإطار السياسي لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لم يعد يكاد يذكر هذا الحل اليوم. لقد أصبح الحديث عنه أشبه بذكرى سياسية أكثر منه مشروعاً واقعياً مطروحاً على طاولة المفاوضات.
وفي الوقت نفسه، تتواصل التطورات الميدانية على الأرض. فقطاع غزة يعيش دماراً واسعاً ونزوحاً هائلاً للسكان، الأمر الذي يثير مخاوف لدى كثير من المراقبين من أن تنتهي هذه الحرب بواقع جديد يُفضي إلى إخضاع القطاع لسيطرة إسرائيلية كاملة أو ضمّه بشكل أو بآخر.
أما في الضفة الغربية، فإن التوسّع الاستيطاني وشق الطرق وبناء البنية التحتية المرتبطة بإسرائيل يخلق واقعاً جديداً على الأرض، بحيث يرى كثير من الباحثين أن هذه العملية المتدرجة تؤدي عملياً إلى دمج أجزاء واسعة من الضفة الغربية في الدولة الإسرائيلية.
كما أن النقاش الدولي نادراً ما يتطرق إلى سابقة مهمة، وهي ضم هضبة الجولان بما فيها المنحدرات الاستراتيجية لجبل الشيخ، رغم أن هذا الضم لا يحظى باعتراف دولي واسع. ومع ذلك، تعتبر بعض التيارات الإيديولوجية في إسرائيل هذه المناطق جزءاً من الأرض التاريخية أو التوراتية.
ويذكّر بعض المؤرخين أيضاً بأن مسألة جنوب لبنان حتى نهر الليطاني كانت قد طُرحت في مرحلة مبكرة من المشروع الصهيوني. ففي مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، قدمت الحركة الصهيونية اقتراحاً بأن يمتد الحد الشمالي لفلسطين إلى نهر الليطاني نظراً لأهميته المائية والاستراتيجية.
غير أن هذا الاقتراح لم يُقبل آنذاك، إذ رفضت فرنسا، التي كانت بصدد إنشاء انتدابها على سوريا ولبنان، ضم جنوب لبنان إلى فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني.
ومع ذلك، تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج كان متعاطفاً مع فكرة أن يصل الحد الشمالي لفلسطين إلى الليطاني. ويُنقل أنه قال لزعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمان إن الظروف السياسية في ذلك الوقت لا تسمح بتحقيق هذا الأمر، لكنه قد يصبح ممكناً في المستقبل.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على تلك النقاشات، يخشى بعض المراقبين أن تؤدي التحوّلات الجيوسياسية الكبرى في المنطقة إلى إعادة طرح هذه المسائل الحدودية بشكل غير مباشر، في ظل ضعف المعارضة الدولية الفاعلة وتراجع الحديث عن التسويات السياسية.
وهكذا، في لحظة تاريخية كان يفترض أن تشهد تقدّماً نحو تسوية سياسية عادلة، يبدو أن المنطقة تتجه بدلاً من ذلك نحو إعادة رسم موازين القوى والحدود عبر الحروب والصراعات، بينما يتلاشى تدريجياً الحديث عن الحل الذي طُرح لعقود باسم حل الدولتين.