بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيلول 2025 12:10ص إسرائيل بعد العدوان على قطر: أي مستقبل لدولة تتحوّل إلى ثكنة؟

حجم الخط
لم تكتفِ إسرائيل بحرب الإبادة التي تمارسها ضد الفلسطينيين في غزة، ولا بعدوانها على بلدان المشرق العربي، امتداداً من لبنان الى اليمن، بل بلغ بها الأمر أن ترسل طائراتها الى قطر، في الخليج العربي، للقضاء على قيادات حماس في عزّ المفاوضات معهم. ومعلوم أن قطر هي دولة حليفة للولايات المتحدة! التي تقيم على أراضيها أكبر قاعدة عسكرية في المنطقة، كما انها الدولة التي تلعب دور الوسيط في العديد من الصراعات، وتساهم في حل النزاعات. وهي الآن من تلعب دور الوساطة خصوصاً، بالإضافة الى مصر، بين حماس وإسرائيل. ومن المعروف وجود تعاون بين قطر وبين الدولة العبرية واتفاق على استقبال قيادات حماس.
مع ذلك كله قامت إسرائيل بهجومها، والذي لم يبدُ ناجحاً. فهل أرادت قطع المفاوضات، المتعثرة أصلاً بينها وبين حماس؟
السؤال الملحّ: إلى أين تتجه إسرائيل؟
هل ستبقى في حالة قتال وحروب متقطعة على مدى السنوات القادمة؟
أو انها في ظل تصعيد نتنياهو، وإعادته لطرح خريطة إسرائيل الكبرى على الطاولة، سيتوجّه بالمجتمع الإسرائيلي لتحويله إلى مجتمع مدجج بالسلاح ويعيش منعزلاً في ثكنات محصّنة؟
جاء في تقرير مؤخراً، أن الإسرائيليين يتسابقون لبناء غرف حماية، أي نوع من الملاجئ المحصّنة المصغّرة في بيوتهم، لأن الوقت قد لا يسمح لهم أحيانا للوصول الى ملاجئ الحماية المعدّة للعموم.
تَعرِض لنا بعض أفلام الخيال العلمي، الوضع في العالم بعد تعرّض الكرة الأرضية الى حرب كونية مدمّرة، فنشاهد تحوّل السكان الى العيش في أنفاق محصّنة تحت الأرض، حيث يعيشون في خوف دائم من بعضهم البعض وصراعات مستمرة. فأسأل نفسي هل ستتحوّل إسرائيل الى مجتمع من هذا النوع؟ حيث يعيش السكان في حالة خوف دائم وقلق وتوتر فيزيدون تحصيناتهم تحصيناً؟
الواقع يقول أن غرف الحماية المنزلية، وتدعى (الماماد) (Merkhav Mugan)، في تزايد مستمر كما تكثيف بناء الملاجئ العامة في إسرائيل.
بدأ ظهور هذه الغرف، منذ أوائل التسعينيات، عندما فُرِض قانون إدراج غرف حماية معمارية في المباني الجديدة. وبما ان المساكن القديمة تفتقر إلى غرفة حماية داخلية، وفي ظل تعرّض إسرائيل مؤخراً الى الهجمات الصاروخية وتصاعد التهديدات الباليستية والطائرات المسيّرة، تزايد الإدراك العام بأن البنية التحتية المدنية (الملاجئ والغرف) قد لا تكون كافية لجميع السكان. فبرزت الحاجة إلى المزيد من الملاجئ العامة وازداد طلب المواطنون على توسيع أو تحسين غرف الحماية المنزلية. يستطيع أصحاب الموارد المقتدرون تعزيز حماية مساكنهم. لكن هذا ليس حال الجميع. وهذا ما يحفر المزيد من اللامساواة الاجتماعية والسياسية بين السكان.
لدى إسرائيل إرث من عسكرة المجتمع والبُنى المدنية للدفاع المدني؛ ولذلك فإن زيادة الاعتماد على غرف الحماية والملاجئ ممكنة كاستجابة محدودة زمنياً. لكنها على المدى الطويل ستشكّل حلّاً غير قابل للحياة. ان تحويل بلد إلى حالة دائمة من العسكرة والعزل يُحدث تكاليف اقتصادية ضخمة، فتنهار السياحة، وتهاجر العقول والمهارات، وتضمُر بُنى التصنيع والابتكار، ويحصل تآكلاً للصحة النفسية، وتتفاقم الفوارق الاجتماعية بين من يملكون وسائل حماية خاصة ومن لا يملكونها.
إذا كانت إسرائيل مستعدّة لأن تقصف قطر وتمدّ يدها الى الخليج، فهذا يكشف عن نزعة انفلاتية تتجاوز حدود المنطق السياسي وتلامس الجنون. الأمر لم يعد مجرد «حرب على غزة» أو «رد على تهديد ما»، بل يعكس عقلية عدوانية تتحصّن وتنغلق منفلتة من كل عقال. فهي ترى نفسها مهدّدة بالخطر من العالم كله.
إن اي بلدا يعاني من مثل هذا التوجس الوسواسي المطلق، فيبدأ بتوسيع دائرة أعدائه لتشمل حتى أصدقاء الأمس، فيدخل منطق «القلعة المحاصرة». كل علاقة دولية تصبح مشروطة بالأمن، وكل صديق مرشح لأن يصبح عدواً.
أول ما سينعكس ذلك على المجتمع الداخلي، المواطن الإسرائيلي الذي يعيش أصلاً في بيوت محصّنة وغرف أمان، سيجد نفسه أكثر عزلة، محاصراً بخوف متصاعد، يعيش تحت منطق «الطوارئ الدائمة». هذه ليست حياة طبيعية بل حياة بين جدران إسمنتية وخوذ معدنية.
فإذا واصل نتنياهو سياسة الصدام مع المحيط القريب والبعيد، فهو يضع إسرائيل، بعدد سكانها الضئيل، في مواجهة 400 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم من جهة، ويخسر ثقة الحلفاء من جهة أخرى.
هنا يصبح المشروع الصهيوني بمجمله قائماً على إدارة أزمات لا نهائية، بدلاً من بناء مستقبل مستقر كما كانت وعوده. ان بلداً يعيش كثكنة مغلقة على ذاتها قد تصمد لبعض الوقت، لكنها لن تعيش طويلاً وستنهار الروح المعنوية للمجتمع، ويعيشون بلا أفق سلام أو انفتاح.
في هذا الوضع سترتفع تكلفة السكن، لفرض وجود مساحة مخصصة للملاجئ كجزء من كل عقار. وسيتراجع كل نشاط اقتصادي (سياحة، استثمارات أجنبية)، وتتعرّض البنى التحتية الصحية والتعليمية للضغط فيتراجع مستواها.
والأهم من كل ذلك تفاقم مشاكل الصحة النفسية على انواعها (صدمة جماعية، اضطراب ما بعد الصدمة وعقدة الاضطهاد).
سيتسع الشرخ بين السكان في أحياء مُحصّنة وأخرى مكشوفة.
المفارقة الكبرى هنا ان إسرائيل قامت على وعد «أرض آمنة لليهود»، لكن سياسات نتنياهو تدفعها لتتحوّل إلى المكان الأكثر خطراً عليهم، حيث يتحوّل البيت إلى ملجأ والحدود إلى أسوار وجدران عالية، والدولة نفسها إلى درع معدني مصيره الانفجار من الداخل.
ما حدث مع قطر يوضح أن إسرائيل تتحوّل الى دولة انتحارية، تسير بخطى سريعة نحو مشروع دولة - ثكنة لا يمكنها أن تستمر طويلا، لأنها ستنهك مواطنيها وتفقد حلفائها وتستجلب عداوات متجدّدة. ولقد بدأت بالتحوّل الى دولة مرذولة.
واحدى النتائج تسارع الاعتراف بالدولة الفلسطينية كما حصل مؤخراً في جمعية الأمم المتحدة.