بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 أيار 2025 12:00ص إسقاط الدلافين

حجم الخط
كانت مهمة أميركا، منذ مطلع القرن العشرين، العمل على إسقاط الدلافين، ولهذا أجّلت مشاركتها في الحرب العالمية الثانية، حتى تعب الجميع منها: في دول المحور، وفي دول الحلفاء. دخلت أميركا في الربع ساعة الأخيرة من الحرب، وغيّرت المعادلة. فإنهارت ألمانيا ومن معها من الدول، أمام إنكلترا وفرنسا ومن معهما من الدول. منحت أميركا نصرها، للحلفاء، بعدما أسقطت ألمانيا واليابان والدولة العثمانية. ثم لم تلبث أن أخذت سائر دول الحلفاء، واحدة واحدة، إلى بيت الطاعة.
وحين ذرت الحرب العالمية الثانية قرنها، استيقظت أميركا على طبيعتها. أخّرت نفسها، عن المشاركة في الحرب وتخويض فيها، بقواها الذاتية. وإنتحت على الشاطئ، تراقب سير المعركة. ولم تدخل الحرب العالمية الثانية كذلك، إلّا في الربع ساعة الأخيرة. بطشت باليابان، لقّنتها، ومن خلالها العالم، درسا قاسيا. جرّبت القنابل النووية الجديدة على نكازاكي وهوروشيما، وأسقطت جميع الدلافين فيها، بالضربة القاضية.
أسّست أميركا، طوال هذا القرن ملعبا لها، أسمته ملعب الحرب عن بُعد. كانت تلعب فيه، من القارة النائية. دامت حربها في كوريا وفي الفيتنام عقودا عظيمة. ولم تغادر الحرب، إلّا بإتفاقيات إذعان. أعطت درسا قاسيا للدلافين، لا زال حتى اليوم يعمل فيها، بمفعول رجعي.
تقدمت «السيدة العظمى أميركا»، إلى الشرق الأوسط، بعد الشرق الأقصى. إلتزمت جانب إسرائيل، بعد تردد دول الغرب عن مناصرتها. فقوي فكّها وصارت هذه الدولة الناشئة، تطحن وتلتهم أراضي فلسطين، وأراضي الدول المتاخمة لها. وأخذت بإسقاط الدلافين، طيلة العقود الخمسين، فلم تبقِ على حاكم، إلّا ومرّغت جبينه، وعفرته، وجعلته يطلب الرضا. ثم إذ هي تجلس، وترتاح، وتعبّ نفسا عميقا، كانت تأخذ وقتها في الإجابة على المقترحات، وعلى الدروس القاسية.
استكملت أميركا لعبة إسقاط الدلافين، حين أغلظت العصا، للاتحاد السوفياتي العظيم نفسه، حتى صار يماكسها على رغيف الإعاشة، ويطلب الرضا منها، ورأى العالم كله، بين ليلة وضحاها، كيف تنهار أعظم إمبراطورية معاصرة، فيغادر غورباتشوف آخر الرؤساء، لا جئا إليها، وصارت الدولة العظمى إلى الخليع يالتسين وسائر البلاشفة كما العلماء، كما القادة، يهربون إليها، مثل البضائع، في «الصناديق الخشبية المهرّبة».
ليست الحرب الدائرة اليوم في أوكرانيا وغزة، إلّا إستمرارا للعبة إسقاط الدلافين. فالبحر الأسود، كما بحر غزة، كما البحر الأحمر، كما قناة بانما مليء بالدلافين. والنفس الأميركي طويل طويل، في عملية إسقاط الدلافين.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية