عمر البردان :
كانت بيروت، اليوم، على موعد مع تظاهرة اقتصادية سعودية وخليجية استثنائية، من خلال المشاركة الواسعة لنخبة من المستثمرين من المملكة العربية السعودية وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، في مؤتمر "بيروت 1"، والذي افتتحه رئيس الجمهورية جوزاف عون، وحضره ما يقارب من ألف مشارك، حيث بحث المؤتمرون الفرص الاستثمارية في لبنان، وكيف يمكن أن تساعد عودة الاستقرار إلى لبنان، في إعادة نهوضه ووضعه على سكة التعافي . وكانت لافتة مشاركة وفد اقتصادي سعودي ترأسه مسؤول الملف اللبناني في دوائر القرار السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، حيث استطلع الحاضرون سبل عودة الاستثمارات الخليجية إلى لبنان في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها . وإذا كانت المشاركة الخليجية في المؤتمر بمثابة رسالة دعم للبنان والعهد والحكومة، وفي إطار الجهود العربية والخليجية الرامية لإخراج البلد من أزماته، فإن لسان حال الوفود المشاركة، واحد في ضرورة تهيئة المناخات التي تساعد لبنان على جذب رؤوس الأموال الخليجية والعربية، وتعبيد الطريق أمام القيام بمجموعة واسعة من الإصلاحات على مختلف الأصعدة، من أجل تشجيع المستثمرين على إقامة مشروعات في لبنان . وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا إذا شعر المستثمر بالأمان، وأدرك أن الدولة وحدها صاحبة القرار. ولهذا فإن الخليجيين، كما غيرهم من الأشقاء والأصدقاء، يعتبرون أن السلطة اللبنانية مطالبة باتخاذ سلسلة خطوات سيادية، تشكل جسراً لعبور الاستثمار الخارجي إلى لبنان، وفي مقدمها موضوع حصرية السلاح الذي لا زال يشكل حجر عثرة أمام العودة العربية والأجنبية الطبيعية إلى لبنان .
وإذ يشيد عدد من رؤساء الوفود الخليجية والعربية بالإنجازات التي تحققت في لبنان منذ بداية العهد، ما شكل عاملاً إيجابياً لاستعادة الحضور الخليجي تحديداً في بلد الأرز، إلا أن هؤلاء يرون أن "بيروت 1" شكل مناسبة، للوقوف على مدى استعدادات لبنان لتلبية احتياجات المستثمرين، وما إذا كانت الأجواء تساعد على فتح الأبواب أمام عودة الاستثمار الخليجي والعربي إلى هذا البلد الذي عانى كثيراً في المرحلة الماضية . باعتبار أن التحديات أمام لبنان كبيرة، وبالتالي فإن الطريق تبدو طويلة أمامه ليستعيد عافيته، ويعيد الاعتبار لنفسه كواحة جاذبة للاستثمار، مع الأخذ بأهمية ما تحقق في لبنان على صعيد قيام الدولة وتقوية مؤسساتها . لكن رغم كل ما أنجز، فإن بيروت مطالبة وفقاً للقراءة الخليجية بمزيد من الخطوات، لإشاعة أجواء الاستقرار بالنسبة للمستثمر العربي والأجنبي . أي أن يكون السلاح بيد الجيش اللبناني وحده، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، بهدف تشجيع المستثمرين على توظيف أموالهم في لبنان، رغم الاستعداد الدائم من جانب دول مجلس التعاون، لتوسيع مجالات الاستثمار في لبنان، والمساعدة في نهوضه وإعادة إعماره . وهذا ما يفرض على حكومة لبنان أن تبذل المزيد من العمل، لخلق مناخات مؤاتية تساعد الخليجيين والعرب على العودة الواسعة إلى لبنان في أقرب فرصة . وقد عقد الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان واللجنة الفنية السعودية، لقاءات مع المسؤولين اللبنانيين والمعنيين، للبحث في فتح الأبواب أمام الصادرات اللبنانية الزراعية إلى السعودية، بالإضافة إلى مناقشة كل التطورات الأمنية والتقنية لضمان عدم تهريب أي مواد ممنوعة . وشملت المحادثات اللبنانية السعودية أيضاً، إجراءات المطار تمهيدًا لعودة رحلات الخطوط الجوية السعودية إلى لبنان.
وتأكيداً على كلام رئيس الحكومة نواف سلام أمام الوفد السعودي الذي شارك في مؤتمر"بيروت1"، شددت مصادر وزارية ل"موقع اللواء"، على أن "القرار اللبناني متخذ وواضح، بضرورة ألا يكون لبنان مصدر تهديد لأي من دول مجلس التعاون الخليجي، بالنظر إلى حرص الحكومة اللبنانية على أمتن وأفضل العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة"، وأشارت إلى أن "جهود الأجهزة الأمنية والعسكرية كافة، بتوجيهات من القيادة السياسية، منصبة على منع أي تهديد يصدر من لبنان، ضد أي دولة خليجية . وبالتالي فإن التعاون الأمني القائم بين لبنان والدول الخليجية والعربية الشقيقة، أثمر نجاحاً في توقيف العديد من شبكات تهريب المخدرات"، لافتة إلى أن "هناك عملاً مثمراً جداً على صعيد مكافحة المخدرات، سيما بعد النجاحات اللافتة التي حققها لبنان على هذا الصعيد. وهذا ما أثار ارتياحاً كبيراً لدى الأشقاء والأصدقاء، وساهم بدرجة أساسية في تحسين سمعة البلد، في الداخل والخارج، في ظل التزام الحكومة بتنفيذ بيانها الوزاري بكل دقة، وما يتصل بقرارات حصرية السلاح، وببسط سلطتها على كل أراضيها بواسطة قواها الذاتية حصراً .
وسط هذه الأجواء، كان مفاجئاً قرار الإدارة الأميركية، بإلغاء زيارة كان مقرراً أن يقوم بها قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى الولايات المتحدة، بعد ساعات قليلة على تقديم السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى أوراق اعتماده للرئيس عون . وقد علم أنه تم إلغاء مواعيد هيكل في واشنطن، وكذلك تم إلغاء حفل الاستقبال الذي أُعد له في السفارة اللبنانية، على خلفية استياء الإدارة الأميركية من ما تعتبره تقصيرا بأداء الجيش في المهام الموكلة إليه في سحب سلاح حزب الله"، في وقت ذكر أن السبب المباشر لإلغاء الزيارة، هو الاعتراض الأمريكي على البيان الأخير للجيش اللبناني، الذي استعمل بحسب الإدارة عبارة "العدو"، للوم إسرائيل واعتبارها المشكلة وعدم لوم حزب الله، في وقت تُعتبر فيه إسرائيل حليفاً أساسياً للولايات المتحدة التي تقدّم الدعم الأكبر للمؤسسة العسكرية اللبنانية، ما تسبب بغضب كبير لدى عدد من أبرز أعضاء الكونغرس، وفتح نقاشاً داخلياً حول مستقبل المساعدات للبنان . وقد رأت مصادر سياسية، أن القرار الأميركي بإلغاء زيارة قائد الجيش، إنما غايته توجيه رسالة إلى بيروت، بأنها ما زالت مقصرة في موضوع نزع سلاح "حزب الله"، إضافة إلى ممارسة المزيد من الضغوطات على لبنان، لدفعه إلى الاستعجال في تنفيذ قرارات الحكومة بشأن حصرية السلاح .