بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 أيلول 2025 12:00ص إنتهاكات حقوق الإنسان

حجم الخط
ذريعة السابع من أكتوبر 2023، التي اتخذتها إسرائيل، لشنّ حرب النكبة الثانية في غزة والقطاع، هي أوهن من أن يصدّقها عقل، ويقبل بها منطق. فهذه الحرب التي قامت بها، طالت جميع السكان على وجه العموم، وذلك من خلال إنتهاكاتها حقوق الإنسان بشكل عام. فلم توفر الحجر ولا البشر، بل قامت بأعمال الإبادة المتعمّدة، على كل شكل من أشكال الحياة.
قامت أولا بأول، بشنّ الغارات على الأحياء السكنية فهدّمتها. وتوالت ضربتها على القطاعات كلها: الصحية والتعليمية، ومصالح الماء والكهرباء. وألقت على السكان المناشير التهديدية، التي تطلب منهم مغادرة مساكنهم وأعمالهم، إلى تجمعات عيّنتها لهم، لتستكمل هناك جريمتها الإنسانية، بالموت جوعا وعطشا.، وكذلك بالإصابات العسكرية المباشرة، أو بالإصابات المرضية العامة، وحرمانهم من العلاج والمعالجة.
على مدى عامين وأكثر، لم تتوقف آلتها العسكرية عن الهدم والحرق والترويع. تدفع السكان قطعانا قطعانا إلى البراري وإلى الشطآن، وتعيث في ممتلكاتهم هدما وحرقا وحفرا وتنقيبا، حتى لا تعود الحياة صالحة فيها، بعد أن تزرع في جنباتها وباحاتها الألغام والقنابل المحرّمة دوليا.
ليس هناك في العالم شعب تعرّض لإنتهاكات حقوق الإنسان، مثلما تعرّض له شعب غزة والقطاع. فالناس يقتلون فيها يوميا بالمئات. وقد بلغ عددهم إلى اليوم، زهاء المليون شهيد، من الناس المدنيين العاديين، الذين يلقون حتفهم جراء الحرب والغارات التي تُشنّ عليهم، وجراء قصف تجمعات منتظري الإعانات، والتجمعات الأخرى أمام المستوصفات النقالة وأمام أبواب المستشفيات.
كل يوم يسمع أهل غزة والقطاع، عن تهديدات جديدة بتهجير سكانها، وبإخراجهم من دورهم وقراهم المتبقية، وبترحيلهم عنها، وبإجلاء جميع العائلات التي لا شأن لها بما يجري على الأرض، فتتحمّل ضريبة وجودها التاريخي عليها.
إنتهاكات حقوق الإنسان، لا تتوقف عند المقابر والمدافن الجماعية، ولا عند الترحيل العمومي القسري إلى خارجها، فهي اليوم تباشر عملية هدم الأبراج السكنية في غزة برجاً بعد برج، ووحدة سكنية بعد أخرى. والعالم يجلس أمام الشاشات يتفرّج على ما يجري، دون أن يجرؤ على قول كلمة «لا»، لأعتى وأفظع وأقتل مجزرة إنسانية، عرفها تاريخ البشرية.
العام كله يقف اليوم مشدوها ومكتوف اليدين، أمام ما تقترف إسرائيل في غزة، من متابعة هدم أبراجها وأحيائها السكنية، وتحويلها إلى ركام، لا يصلح العيش فيها، ولو بعد مئة عام.
فإلام هذا السكوت والخنوع المشبوه، أمام هذا الجبروت الذي لا يوصف، في الهدم والترويع والتنكيل والتهجير، ومحو المدينة التاريخية، حارة وراء حارة، حتى تسوية جميع جهاتها وجميع حاراتها وجميع أحيائها وأبراجها بالأرض؟!
أمر فظيع وخطير ما يجري في غزة والقطاع. والأمر الأفظع والأخطر هو ذلك السكوت المريب لدى القوى العظمى عما يجري في غزة. فهم شركاء فيه، وإن لم يعترفوا بعد. وهم يحلمون أيضا بأرض غزة وبشطآن غزة وببحر النفط فيها، وإن لم يعلنوا عن نواياهم صراحة. غير أن آلتهم العسكرية، تشارك في هدم غزة، وقد جعلوا كل ترسانتهم الحربية في خدمتها.
في عصر العودة إلى وزارة الحرب التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، تتساءل جميع شعوب العالم، عن دور شريف لها ولها، من حرب إسرائيل على غزة. فهل تقدم على إنهائها، بعد أن تجاوز الظالمون المدى؟!
إنتهاكات حقوق الإنسان، يجب أن تكون تحت المراقبة الدولية، يجب أن تكون في عيون مجلس الأمن والأمم المتحدة، بل يجب أن ترعاها جميع المنظمات الإنسانية، في العالم، وخصوصا في العالمين العربي والإسلامي، لأن كل ضرر وضرار منها سوف يكون له تبعات عظمى عليها.
فهل يستيقظ العالم على إنتهاكات حقوق الإنسان، قبل فوات الأوان، وعلى الإبادة الجماعية في غزة ويمنعون بالسياسة أو بالإرادة، إستكمال جميع فصولها؟!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية