أمام بطولة وإقدام أهل الجنوب الذين ضحوا بأرواحهم، ودفعوا ضريبة الدم غالياً، بسقوط 22 شهيداً، وأكثر من مائة جريح، دفاعاً عن أرضهم وسيادة بلدهم، في مواجهة الغاصب الإسرائيلي، كان لا بد لجيش الاحتلال أن يندحر مهزوماً من عدد كبير من القرى والبلدات التي كان يحتلها، مع انتهاء مهلة الستين يوماً . بالرغم من إعلان قيادته أنه سيبقى في عدد من المواقع في الجنوب . وهو أمر أكد لبنان على لسان رئيس الجمهورية جوزاف عون، وعدد من مسؤوليه، رفضه الحازم له، وعلى وجوب انسحاب جيش العدو من كامل الأراضي اللبنانية، كما ينص على ذلك اتفاق وقف إطلاق النار . وعلى فداحة التدمير الهمجي الذي طال عشرات القرى والبلدات، من الناقورة غرباً حتى كفرشوبا وشبعا شرقاً، فإن أهالي الجنوب، أبوا إلا أن تكون لهم الكلمة الأخيرة، في إرغام المحتل على الانسحاب . فكانت مشاهد الخيم المنصوبة فوق ركام الأبنية المهدمة، إلا أبلغ دليل على تعلق اللبناني بأرضه، مهما غلت التضحيات .
وفي حين أثار إقدام جيش الاحتلال على ارتكاب مجزرة غير مسبوقة بحق المواطنين العزل الذين كانوا يريدون الدخول إلى قراهم في الجنوب، مخاوف وقلقاً على مصير اتفاق وقف إطلاق النار، فقد كشف النقاب عن اتصالات أجراها عدد من المسؤولين اللبنانيين عبر القنوات الدبلوماسية، في إطار الجهود لدفع إسرائيل للانسحاب من كامل الأراضي الجنوبية، بعد موافقة الجانب اللبناني على الاقتراح الأميركي بتمديد مهلة الانسحاب الإسرائيلي حتى الثامن عشر من الشهر المقبل . وأشارت المعلومات إلى أن لبنان تبلغ من عدد من عواصم القرار ، أن ضغوطاً تمارس على إسرائيل من أجل تسريع انسحابها من لبنان، للحؤول دون انهيار اتفاق وقف النار، مع ما لذلك من مخاطر على الوضع برمته، سيما وأن محاولات رئيس وزراء إسرائيل التفلت من التزاماته، ما عادت خافية على أحد بعد تماديه في إجرامه ضد اللبنانيين والفلسطينيين في غزة والضفة الغربية .
وفي ظل العودة إلى شروط "الثنائي" للموافقة على تشكيل الحكومة، ومع بروز ملامح إصرار هذا الفريق على فرض شروطه، فإن أوساطاً نيابية بارزة، تعتبر أنه لا يمكن العودة إلى سياسة الإملاءات السابقة، وأنه لا بد من الوقوف وبكل صلابة، في "مواجهة محاولات هذا "الثنائي"، وتحديداً "حزب الله"، وضع الرئيس المكلف أمام الأمر الواقع، في ما يتصل بعملية تأليف الحكومة، بالنظر إلى أن ظروف الماضي تغيرت، وليس مسموحاً في العهد الجديد، أن يعود البلد إلى سياسة فرض الشروط التي لن تكون في مصلحة أي فريق. ، وإذ تشدد الأوساط على أن هناك إصراراً من جانب المكونات السياسية على عدم التراجع عن هذا الموقف، وأن لا يخضع أحد لمنطق الفرض الذي يمارسه حزب الله"، فإن الجانب العربي والدولي، لا يريد هو الآخر، أن يحكم "حزب الله" وحلفاؤه مرة جديدة السيطرة على مقدرات لبنان السياسية والأمنية، بالنظر إلى عواقب ذلك الخطيرة على البلد ومستقبله . ولذلك لا يريد أحد أن تكون الدولة اللبنانية، أداة بيد "الثنائي" مجدداً، يستعملها من أجل تحصين نفسه وحمايتها، على حساب الدولة والقانون والدستور .
وإذ شددت مصادر دبلوماسية، على أن الأولوية الآن، يجب أن تكون للاسراع في تأليف حكومة العهد الأولى، والتي لا بد أن تكون مختلفة عن طريقة تشكيل الحكومات في العهد السابق، أي أن يكون قرار تأليفها بيد رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، كما ينص على ذلك الدستور اللبناني، فإنها أشارت إلى أن انتظام الحياة الدستورية في لبنان، سيفتح الطريق أمام تدفق المساعدات على لبنان، في مرحلة إعادة الأعمار، شريطة أن يحصل تغيير جدي في الظروف الراهنة، من أجل تهيئة الخطوات المطلوبة على هذا الصعيد. وأن يشعر المجتمعان العربي والدولي، بأن هناك توجهاً جديداً للحكم والإدارة في لبنان، لا يخضع للحسابات السياسية الضيقة التي كانت تفرض نفسها في السنوات الماضية . لأن مثل هكذا توجه سيفتح أبواب الدعم الخارجي للبنان الذي يحتاج إلى وقوف الأشقاء والأصدقاء إلى جانبه، للخروج من أزماته التي تتهدده بتداعيات غاية في الخطورة، ما لم تتكاتف الجهود العربية والدولية لإنقاذه، وإعادته إلى وضعه الطبيعي . وهذا بالتأكيد لن يحصل إلا إذا كان المسؤولون اللبنانيون على دراية تامة بما هو مطلوب منهم على صعيد الإصلاحات، وترسيخ دعائم دولة القانون والمؤسسات في لبنان .
وأبدت الأوساط الدبلوماسية ارتياحها لنتائج زيارتي وزيري الخارجية السعودي والكويتي الأخيرتين إلى بيروت، مشيرة إلى أن المسؤولين اللبنانيين سمعوا من الضيفين الخليجين كلاماً مطمئناً إلى مستقبل لبنان، وأن دول مجلس التعاون الخليجي ستقف إلى جانب العهد الجديد، في عملية إعادة الإعمار وإزالة مخلفات الحرب، وتجاوز أزماته الاقتصادية والمعيشية، مشددة على أن الوزير فيصل بن فرحان وعبدالله اليحيا، إلى جانب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، أكدوا على ضرورة تنفيذ لبنان للإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة منه، من أجل أن يحصل على الدعم العربي والخليجي . وكذلك على ضرورة أن تلتزم الحكومة اللبنانية الجديدة بتطبيق القرارات الدولية، وتعمل على نشر قواتها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، وألا يكون هناك سلاح، إلا سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية . وهذا بالتأكيد من شأنه أن يشكل دافعاً للدول المانحة أن تقدم الدعم الذي يحتاجه لبنان، في مواجهة متطلبات المرحلة المقبلة . باعتبار أن هناك دولاً ومؤسسات أبدت استعدادها لمساعدة لبنان، بهدف دعمه للخروج من هذا المأزق .