بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 تشرين الثاني 2025 12:00ص استقلالية القضاء في الدول العربية بين النصوص والممارسة الفعلية

حجم الخط
يُعدّ مبدأ استقلالية القضاء حجر الزاوية في بناء دولة القانون، إذ لا يمكن تحقيق العدالة أو ضمان الحقوق والحريات دون قضاءٍ مستقلٍّ قادرٍ على الوقوف على مسافة واحدة من السلطة التنفيذية والتشريعية ومن جميع الأطراف.
 غير أنّ واقع الدول العربية يكشف عن فجوةٍ واضحة بين النصوص الدستورية والممارسة الفعلية. فمعظم الدساتير العربية تنصّ على أنّ «القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون»، لكنّ هذا المبدأ كثيراً ما يبقى حبيس الورق.
تتجلّى التحدّيات في عدّة مستويات:
أوّلها، التعيين والترقية والنقل، إذ ما زالت السلطة التنفيذية في كثير من الدول تحتفظ بدورٍ حاسم في هذه المسائل، ما يفتح الباب أمام التأثير على القضاة بشكل مباشر أو غير مباشر.
وثانيها، الاستقلال المالي والإداري، حيث تظلّ ميزانيات السلطة القضائية خاضعة لاعتماد السلطة التنفيذية، ما يقلّص من هامش حرية المحاكم في إدارة شؤونها.
وثالثها، غياب الضمانات الكافية للمساءلة المنصفة، إذ إن بعض الأنظمة التأديبية تُستعمل أحياناً كأداة ضغطٍ لترويض القضاة بدلاً من صون هيبة العدالة.
ورغم هذه التحدّيات، تُسجّل المنطقة العربية أيضاً محاولات إصلاحية واعدة، منها إنشاء مجالس قضائية عليا مستقلة في بعض الدول، وتوسيع صلاحيات الهيئات الدستورية لحماية القضاة، وتكريس دور الجمعيات القضائية المستقلة.
غير أنّ هذه الجهود لن تؤتي ثمارها ما لم تُترجم الإرادة السياسية إلى إصلاحٍ فعليٍّ يضع حدًّا لأيّ تدخّل في الشأن القضائي، ويُعيد للقاضي مكانته كـ«ضمير الأمة» وحارسٍ للشرعية الدستورية.
إنّ استقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، بل هو ضمانة للمجتمع بأسره. فحين يُستقلّ القضاء، تستقيم العدالة، ويُصان المواطن من تعسّف السلطة، وتتعزّز الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ولذلك، فإنّ معركة استقلال القضاء في الدول العربية ليست قانونية فحسب، بل هي أيضاً معركة وعي وثقافة ومجتمع، تتطلّب من الجميع - قضاة ومحامين ومشرّعين ومواطنين - أن يرفعوا صوتهم دفاعاً عن قضاءٍ حرٍّ ونزيهٍ، لأن العدالة المستقلّة هي الشرط الأول لكل إصلاحٍ حقيقيٍّ في أوطاننا.

* الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب