عمر البردان :
في إطار إعادة ترتيب علاقات لبنان مع أشقائه، وما يمكن أن تقدمه الدوحة من دعم للخروج من هذه المرحلة الشديدة الصعوبة، جاءت زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى قطر، اليوم، والتي تستمر حتى الغد، فيما سبقتها أجواء إيجابية بإمكانية تجاوب المسؤولين القطريين مع المطالب التي يحملها معه رئيس الجمهورية، وتحديداً ما يتصل بالملف الاقتصادي . في حين ينتظر أن تشكل زيارة الرئيس عون إلى دولة الإمارات العربية، مناسبة لوضع المسؤولين الإماراتيين في أجواء ما يعانيه لبنان من أزمات على مختلف الأصعدة، وما يمكن لأبوظبي أن تقدمه من دعم، حتى يتمكن لبنان من تجاوز هذه المرحلة . ويبدو واضحاً من مسار المواكبة العربية للعهد الجديد، أن هناك استعداداً خليجياً لمساعدة لبنان، والوقوف إلى جانبه، لكن لا بد وأن يترافق ذلك مع ضرورة قيام لبنان بتنفيذ ما يجب عليه تنفيذه من إصلاحات اقتصادية ومالية، حتى يتمكن من الحصول على الدعم الخارجي الذي يريده .
وتأتي جولات الرئيس عون على الدول الخليجية، في إطار إيصال رسالة أساسية مفادها، أن لبنان حريص على أفضل العلاقات مع دول مجلس التعاون، بعدما استهل زيارته الخارجية بعد انتخابه، بزيارة المملكة، العربية السعودية، باعتبارها المدخل الأساسي لفتح صفحة جديدة مع الدول الخليجية . وما الارتياح الذي ساد الأوساط الخليجية بعد انتخاب الرئيس عون، إلا تأكيد على توجه دول مجلس التعاون لدعم لبنان، في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها. كذلك على رغبة هذه الدول في الايفاء بتعهداتها تجاه العهد الجديد، بعد انتخاب رئيس للبنان وتشكيل حكومة، يؤمل منها أن تبادر إلى فتح صفحة جديدة مع أصدقاء لبنان الذين أبدوا استعداداً للوقوف مع الدولة الجديدة في لبنان، بعد طي صفحة الماضي التي أساءت كثيراً إلى علاقات لبنان الخارجية، وأدت إلى قطيعة مع أشقائه العرب والخليجيين . ومن المتوقع أن يبحث رئيس الجمهورية في زياراته الخليجية، موضوع استئناف التصدير من الجمهورية اللبنانية إلى دول مجلس التعاون، والإجراءات اللازمة للسماح للمواطنين الخليجيين بالسفر إلى لبنان. وهو أمر سيساعد الأخير في التخفيف من أعبائه الاقتصادية، ويعيده إلى دائرة الاهتمام الخليجي في المرحلة المقبلة. في ظل اقتناع خليجي بأهمية ما جاء في خطاب القسم، والذي أعلن فيه الرئيس عون رؤيته للبنان واستقراره ومضامين البيان الوزاري. وكذلك في التأكيد على اهمية التطبيق الكامل لاتفاق الطائف وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وبسط الدولة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، والتأكيد على الدور الوطني للجيش اللبناني وأهمية دعمه.
ويبرز الاهتمام السعودي واضحاً في إطار مواكبة الرياض لإعادة وضع مسار العلاقات اللبنانية السورية على السكة، حيث يتوقع أن يزور الرياض في الأسابيع القليلة المقبلة، وفد وزاري وأمني لبناني، للبحث مع الجانب السوري في ترجمة ما تم إنجازه خلال زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دمشق، ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، حيث كان توافق على ضرورة المضي في تنقية العلاقات اللبنانية السورية من كل شوائب الماضي، والعمل على ترسيم الحدود البرية، ومن ثم البحرية، لمنع عمليات التهريب على أنواعها . وتكشف المعلومات المتوافرة، أن الجانب السوري أبلغ الوفد اللبناني استعداده للقيام بكل ما يلزم، من أجل تسوية القضايا العالقة بين الدولتين، في ظل حرص سعودي على مواكبة خطوات التطبيع الجاري بين بيروت ودمشق، بعدما سمع المسؤولون اللبنانيون والسوريون، أن القيادة السعودية ملتزمة دعم عملية تنقية العلاقات بين لبنان وسورية على أكمل وجه، من أجل مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين .
وفي حين بشّر وزير المالية ياسين جابر اللبنانيين بخطوات انفراجية في المستقبل القريب، سيما ما يتصل بملف المودعين، وما يمكن أن تسفر عنه لقاءات الوفد اللبناني في اجتماعات صندوق النقد الدولي السنوية في واشنطن، على صعيد الاستجابة لمطالب لبنان، فإن المطلوب برأي مصادر دبلوماسية خليجية، ألا يهدر اللبنانيون هذه الفرصة التي تبدو سانحة، بعدما وضع قطار الحل على السكة، بانتخاب رئيس توافقي على مسافة من الجميع، ولديه القدرة على مواكبة الانفراج المأمول، من خلال عودة قرار السلم والحرب إلى المؤسسات الدستورية،. وتأكيد الرئيس عون أنه لن يكون هناك سلاح في لبنان غير السلاح الشرعي، في ظل وجود حكومة موثوقة غير حزبية، وتضم نخبة من الكفاءات من ذوي السمعة الحسنة . وبالتالي فإن من مصلحة الجميع تسهيل انطلاقة العمل الحكومي المؤسساتي ، لمواكبة ما حصل من تطورات في لبنان والمنطقة، سيما في ظل وجود دعم كبير للعهد الجديد، عربياً ودولياً، وهذا ما سيلمسه المسؤولون اللبنانيون في زياراتهم الخارجية ، وأن يقتنع جميع الفرقاء، بأن مصلحة لبنان تتعدى مصالح الآخرين، وبأن لا مجال لفرض خيارات على اللبنانيين لا يمكن أن يقبلوا بها .