تستأثر تطورات الحدود الشرقية باهتمام القيادة السياسية على أعلى المستويات، لما تشكله من خطر كبير على الوضع الأمني، وما يمكن أن تجره من تداعيات بالغة السلبية، وسط خشية من انعكاساتها الطائفية والمذهبية . وفيما تسود حالة من الترقب الثقيل لمسار الأمور على الصعيد الميداني، بعد جولات العنف التي شهدتها المنطقة، وفي حين دخل الجيش اللبناني إلى بلدة حوش السيد علي التي فقدت خمسة من أبنائها، وبانتظار اتخاذ المزيد من الخطوات الهادفة إلى تعزيز الاستقرار والأمن في المناطق الحدودية، تابع رئيس الجمهورية جوزاف عون التطورات على الحدود الشرقية، حيث تلقى اتصالات من قائد الجيش رودولف هيكل الذي أطلعه على الإجراءات المتخذة من قبل الجيش لإعادة الهدوء والاستقرار إلى المنطقة. وقد شدد الرئيس عون على ضرورة تثبيت وقف النار ووقف الاعتداءات، إضافة إلى ضرورة ضبط الحدود عند القرى المتاخمة. واعتبر أمام زواره ، أن ما يحصل على الحدود الشرقية والشمالية الشرقية للبنان "لا يمكن أن يستمر، ولن نقبل باستمراره". وهذا الكلام الرئاسي، رأت فيه مصادر وزارية، موشراً لخطوات لبنانية سيصار إلى تنفيذها في المرحلة، سياسياً وعسكرياً، مشيرة إلى أن هناك قناعة بأن ولوج باب الحل لما يجري على الحدود الشرقية، يكمن في تفعيل قنوات التنسيق مع الإدارة الجديدة في سورية، بالتوازي مع خطوات حثيثة لفرض الأمن في المناطق الحدودية، ومواجهة عمليات التهريب بحزم وشدة على مختلف أنواعها .
وفيما يستقطب لبنان اهتماماً دبلوماسياً لافتاً، شكلت زيارة وزيرة خارجية ألمانيا أنالينا بيربوك إلى بيروت الحدث الأبرز، اليوم، حيث التقت الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، في وقت يتوقع أن يزور لبنان، الثلاثاء المقبل، المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، للقاء كبار المسؤولين اللبنانيين، قبل زيارة رئيس الجمهورية إلى باريس، في الثامن والعشرين من الجاري، حيث سيلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي ستستضيف بلاده مؤتمراً حول إعادة إعمار لبنان . وهو أمر يعلق عليه المسؤولون اللبنانيون آمالاً كبيرة، في الحصول على أوسع دعم خارجي، لمواجهة متطلبات إعادة الإعمار .وتكشف أوساط دبلوماسية أن الأجندة الدولية مزدحمة على صعيد الزيارات المنتظرة إلى بيروت، مبدية ارتياحها لنتائج زيارة العديد من المسؤولين الدوليين والعرب الذين سبق وزاروا لبنان، بعد انتخاب الرئيس عون وتشكيل الحكومة. وقد شكلت التطورات الميدانية المتسارعة على الحدود الجنوبية والشمالية، محور المحادثات التي أجرتها رئيسة الدبلوماسية الألمانية التي أكدت أن ضرورة التزام لبنان وإسرائيل باتفاق وقف النار، فيما طالب لبنان برلين بالضغط على إسرائيل للانسحاب الفوري من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها .
وفي حين سمع أركان الحكم من الزوار العرب والأجانب كلاماً مطمئناً إلى مستقبل لبنان، لناحية أن هناك قراراً دولياً بالوقوف إلى جانب العهد الجديد، في عملية إعادة الإعمار وإزالة مخلفات الحرب، وتجاوز أزماته الاقتصادية والمعيشية، فإن لسان حال الضيوف العرب والأجانب، يجمع على ضرورة تنفيذ دقيق للإصلاحات السياسية والاقتصادية المطلوبة من لبنان من أجل أن يحصل على الدعم العربي والخليجي . وكذلك على ضرورة أن تلتزم الحكومة اللبنانية الجديدة بتطبيق القرارات الدولية، وتعمل على نشر قواتها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، وألا يكون هناك سلاح، إلا سلاح الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية . وهذا بالتأكيد من شأنه أن يشكل دافعاً للدول المانحة أن تقدم الدعم الذي يحتاجه لبنان، في مواجهة متطلبات المرحلة المقبلة . باعتبار أن هناك دولاً ومؤسسات أبدت استعدادها لمساعدة لبنان، بهدف دعمه للخروج من هذا المأزق . ويأتي تأكيد القائد العام لقوات اليونيفيل، أرولدو لاثارو، على التزام بعثة حفظ السلام المستمر بتخفيف التوترات وتعزيز الحوار بهدف تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، في إطار الجهود الأممية لتثبيت وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، وهو ما أشار إليه عن بداية فصل جديد يتضمن العمل المشترك مع الجيش اللبناني. وفي تأكيده أن "الجيش اللبناني يجب أن يظل القوة الأمنية الوحيدة الضامنة للاستقرار في جنوب لبنان". في إشارة واضحة إلى الثقة الكبيرة التي يوليها المجتمع الدولي في قدرة الجيش على تنفيذ القرار 1701، وبسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية .
ومع عودة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وبالنظر إلى خطورة الممارسات العدوانية الإسرائيلية، ومن أجل الضغط على جيش الاحتلال لدفعه إلى الانسحاب التام من النقاط الخمس، تواصل الدبلوماسية اللبنانية جهودها لحماية لبنان، من خلال الاتصالات التي تقوم بها، لدفع إسرائيل إلى الانسحاب دون قيد أو شرط، باعتبار أن لبنان لا يمكن أن يقبل ببقاء شبر واحد محتلاً من جانب إسرائيل . وقد أبلغ كبار المسؤولين في لبنان واشنطن وعواصم القرار، أن لبنان لن يقبل باستمرار احتلال إسرائيل لجزء من أراضيه، مهما كلف الأمر . وأن بيروت أبلغت اللجنة الأمنية الخماسية، ضرورة الطلب من إسرائيل تنفيذ مضمون اتفاق وقف النار بحرفيته، والانسحاب الكامل من النقاط الخمس . كذلك الأمر في رفض استمرار الخروقات الإسرائيلية، وضرورة وقفها والتزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاق بحذافيره. .
ومن خلال المواقف الخارجية التي أبدت ارتياحها للمسار السياسي الذي بدأ في لبنان، بعد انتخاب الرئيس عون، يظهر جلياً أن هناك توافقاً عربياً ودولياً على برنامج سياسي لدعم المؤسسات الدستورية في لبنان، وتوفير المساعدات للجيش اللبناني الذي تنتظره مهام كثيرة على طول مساحة لبنان، وتحديداً بالنسبة لتطبيق القرار 1701 . ومن أبرز المهام التي تنتظر حكومة الرئيس سلام، التحضير لإجراء تعديلات جوهرية على قانون الانتخابات النيابية الحالي، يعيد انتاج السلطة في لبنان، ويفسح في المجال أمام خلق دينامية سياسية جديدة في البلد، تساهم في رسم توجهات جديدة للسياسة اللبنانية، تضع المصلحة الوطنية أولوية على ما عداها .