بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 تشرين الأول 2025 12:05ص الأسرى اللبنانيون والفلسطينيون.. الوجه الآخر للاحتلال

حجم الخط
د. محمد دوغان

في كل مواجهة بين إسرائيل وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، يتجدّد الجدل حول توصيف المقاتلين والأسرى، ويبرز مجدّداً وجه الإزدواجية في الموقف الإسرائيلي تجاه قواعد القانون الدولي الإنساني. فبينما تعتبر إسرائيل عناصر المقاومة «مقاتلين غير شرعيين»، وترفض الاعتراف بهم كأسرى حرب، تُخضعهم لقوانينها الداخلية، متجاهلة اتفاقيات جنيف التي تنص على حماية المقاتلين في النزاعات المسلحة.
بهذا التعريف الانتقائي، تنزع إسرائيل عن المقاومة صفتها السياسية، لتصوّرها كجماعات خارجة عن القانون، وتجعل من الدفاع عن الأرض فعلاً جنائياً. في المقابل، عندما تقع جنودها في الأسر لدى فصائل المقاومة، تسارع إلى وصفهم بـ«الرهائن»، رافضة الاعتراف بهم كأسرى حرب، رغم أن المقاومة - في أغلب الحالات - تعاملهم وفقاً لأعراف الحرب ومعايير الإنسانية.
وتبرز هذه الإزدواجية بوضوح في ملف الأسرى اللبنانيين الذين اعتقلتهم إسرائيل خلال الحرب الأخيرة على لبنان، حيث ترفض تل أبيب الإفصاح عن مصير بعضهم أو السماح للمنظمات الدولية بزيارتهم، في انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب. هؤلاء المقاتلون، الذين شاركوا في الدفاع عن بلدهم ضد العدوان، يُحتجزون بمعزل عن القانون الدولي، ويُحاكم بعضهم أمام محاكم عسكرية إسرائيلية، في تكرار لنفس النهج الذي طُبّق سابقًا ضد الأسرى الفلسطينيين.
المفارقة أن إسرائيل، التي تقدّم نفسها كدولة ديمقراطية تحترم القوانين الدولية، هي ذاتها التي تتجاهلها حين لا تخدم مصالحها. فبدلاً من الالتزام بالاتفاقيات التي وقّعت عليها، تفرض رؤيتها الأحادية، فتُسقط صفة الأسير عن مقاوم، وتمنحها فقط لجنديها الذي شارك في العدوان.
الأدهى من ذلك، أن المجتمع الدولي يشارك، بصمته أو تبريره، في هذه الازدواجية. فحين تنتهك إسرائيل حقوق الأسرى الفلسطينيين واللبنانيين، تمرّ الانتهاكات مرور الكرام، بينما يُدان أي فعل للمقاومة بسرعة تحت ذرائع «الإرهاب» أو «الخروج عن القانون». وهكذا يتحوّل القانون الدولي إلى أداة سياسية بيد الأقوى، بدلاً من أن يكون مظلة للعدالة والإنسانية.
إن معاملة الأسرى ليست مسألة إجرائية فحسب، بل هي مقياس لقِيَم العدالة في زمن الحرب. وعندما تُنكر إسرائيل على خصومها أبسط الحقوق التي تطالب بها لنفسها، فإنها لا تدافع عن أمنها، بل تُكرّس منطق القوة وتُضعف منظومة القانون الدولي بأكملها.
في النهاية، يبدو أن العدالة - مثل الأسرى أنفسهم - لا تزال تنتظر حريتها، في عالم تُحتجز فيه القوانين خلف أسوار السياسة والمصالح.