بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 آب 2025 12:05ص الإمام موسى الصدر: غياب الجسد لا يطوي مشروع الوطن

حجم الخط
سبعة وأربعون عاماً مضت على غياب الإمام موسى الصدر ورفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، وما زال الغموض يكتنف مصيرهم، وكأن هذا الغياب لم يعد مجرد حادثة سياسية أو مأساة إنسانية، بل تحوّل إلى جرح مفتوح في الذاكرة اللبنانية والعربية. لكنّ استذكار الإمام موسى الصدر ليس فقط استحضاراً لألم الغياب، بل إحياء لفكرة ومشروع وطني إنساني شامل، كان عنوانه الأكبر: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه»، شعار سبق الزمن وارتقى فوق انقسامات الطوائف وحسابات السياسة الضيقة.
لم يكن الإمام الصدر رجل دين تقليدي يكتفي بالوعظ والإرشاد، بل كان مفكراً إصلاحياً امتلك رؤية متقدمة للدولة والمجتمع. حيث ولد في بيئة جبلية أصيلة، وتكوّنت شخصيته الفكرية في حوزة قم حيث درس الفقه الإسلامي، قبل أن ينهل من العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة طهران. هذا المزج بين الروح الدينية والفكر المدني جعله شخصية استثنائية قادرة على الجمع بين القيم الروحية ومتطلبات الدولة الحديثة. ومن هنا جاء تحذيره المبكر بأن «الطوائف نعمة، أما الطائفية فهي نقمة»، وهو قول لم يفقد راهنيته حتى اليوم، بل ربما بات أكثر إلحاحاً في ظل ما يعيشه لبنان من انقسام عمودي مزمن.
أدرك الإمام الصدر أنّ بناء الدولة يبدأ من الإنسان. لذلك ركّز على المؤسسات التي ترفع الحرمان وتعيد للناس كرامتهم، فأسّس المدارس والملاجئ والمستشفيات، وأطلق جمعيات الرعاية الاجتماعية ومعهد التمريض لـ«جمعية البر والإحسان». حيث كان يعتبر أنّ العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية هما الركيزة الأساسية لأي استقرار سياسي، وأنّ غياب العدالة يفتح الباب أمام العصبيات والفوضى. بهذا المعنى، سبق مشروعه الكثير من الطروحات الإصلاحية التي لم تتحقق بعد في لبنان، حيث بقيت الدولة عاجزة عن لعب دور الراعي العادل لجميع مواطنيها.
في أتون الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975، لم ينكفئ الإمام الصدر إلى طائفته، بل تصدّر مشهداً وطنياً جامعاً، محاولاً إطفاء نيران الفتنة. فقد تحرّك بين العواصم العربية من القاهرة إلى الرياض ودمشق والكويت، وأدّى دوراً محورياً في الدفع نحو مؤتمري الرياض والقاهرة عام 1976. بعدما فهم أنّ الحرب الأهلية ليست قدراً، وأن بإمكان العمل السياسي العربي والدولي أن يخفف من حدّتها، ولو مرحلياً.
في المقابل، أدرك الإمام الصدر أن مواجهة العدوان الإسرائيلي تتطلب ما هو أكثر من الدعاء، فأسّس عام 1975 «أفواج المقاومة اللبنانية – أمل» كإطار وطني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي. هذا القرار لم يكن خياراً عادياً، بل كان امتداداً لرؤيته بأن الدفاع عن الأرض حق مقدس لكل اللبنانيين. وقد برزت أولى ثمار هذه المقاومة في معركة شلعبون عام 1978، حيث تكبّد الاحتلال خسائر غير متوقعة، فاتحة الطريق أمام ثقافة المقاومة التي ستؤدي لاحقاً إلى التحرير عام 2000 والانتصار عام 2006.
لم يفصل الإمام الصدر يوماً بين قضية لبنان وقضية فلسطين. حيث كان يرى أن قوة لبنان في التزامه بمقاومة الاحتلال، وأن فلسطين هي الامتحان الأخلاقي والسياسي للعالم العربي والإسلامي، وعبارته الشهيرة «السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري» تختزل هذه الرؤية. وهو بذلك وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع المشاريع الإسرائيلية التي راهنت دائماً على تفكيك الداخل اللبناني وإبعاده عن القضية الفلسطينية.
في 31 آب 1978، اختفى الإمام في ليبيا خلال زيارة رسمية بناء على دعوة من معمر القذافي. ومنذ ذلك الحين، دخل لبنان ومعه العالم العربي في رحلة بحث عن الحقيقة. هذا الغياب لم ينهِ حضوره، بل جعله أكثر التصاقاً بالذاكرة الجماعية، لأن مشروعه ظل أكبر من جسده. وقد أحيا بالسابق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري متزامناً مع ذكرى اختفائه، مذكّراً بواجب المجتمع الدولي في كشف مصير المفقودين، وفي طليعتهم الإمام الصدر ورفيقيه.
اليوم، ومع ما يعيشه لبنان من انهيار اقتصادي ومالي واجتماعي غير مسبوق، يبرز غياب الإمام الصدر أكثر إيلاماً. ففي وقت تتنازع فيه القوى السياسية على المكاسب الضيقة، كان الإمام يرفع الصوت عالياً بأن الوطن لا يُبنى إلّا على العدالة والمواطنة. وفي زمن يسود فيه الإحباط وانعدام الثقة بالدولة، يبقى مشروع الصدر للتنمية المتوازنة والدولة المدنية الجامعة حاجة ملحّة، وليس مجرد ذكرى تاريخية.
إن المطالبة بكشف مصير الإمام موسى الصدر ليست مسألة مرتبطة بالماضي فحسب، بل هي قضية عدالة وكرامة تتعلق بالحاضر والمستقبل. إنها رسالة بأن لبنان لا يمكن أن ينهض إذا استسلم للنسيان، أو إذا تعامل مع رموزه الوطنية بوصفهم مجرد وقائع منسية. وإن أعظم وفاء للإمام هو في استكمال مشروعه، عبر إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة، وتعزيز قيم العدالة الاجتماعية، وصون التعايش بين مكوّنات الوطن.
وفي الختام، يبقى الإمام موسى الصدر، رغم غيابه الجسدي، حاضراً بفكره ومشروعه. فهو القائد الذي جمع بين المئذنة والمنبر، بين المسجد والمدرسة والمستشفى، وبين الوطنية والمقاومة. وإذا كان اختطافه جريمة سياسية لم تكشف خيوطها بعد، فإن استمرار مشروعه الإنساني الوطني هو الردّ الأبلغ على محاولات إسكاته. فالأفكار لا تُختطف، والرؤى لا تُغيّب. ومن هنا فإن استذكار الإمام ليس طقساً سنوياً، بل دعوة متجددة للبنانيين كي يلتقوا على ما يجمعهم، لا على ما يفرّقهم. فالإمام، حتى وهو غائب، ما زال يرشدنا إلى البوصلة: وطن لجميع أبنائه، مقاوم للعدوان، وعادل لكل طوائفه؛ كما نغتم هذه الذكرى لنوجه كل التحايا لدولة الرئيس نبيه بري المؤتمن على قضية اختفاء الإمام الصدر والحافظ لوصيته ورسالته بحماية لبنان وشعبه، حفظه الله وأطال بعمره.