يبدو ان لبنان سيدخل قريباً مرحلة جديدة من السجال السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقررة في أيار 2026، باعتبار أن هذا الاستحقاق يُفترض أن يجدّد الشرعية الشعبية ويعيد إنتاج المؤسسات الدستورية وفق قواعد التداول الديموقراطي.
من هنا، فإنّ المشهد لا يخلو من هواجس وتساؤلات حول مصير هذا الاستحقاق، بعدما بدأ يتسرّب في الأوساط السياسية والإعلامية كلام عن احتمال التأجيل أو التمديد، ولو بطريقة غير مباشرة، ما يفتح الباب على جدل يتجاوز القانون الانتخابي والتحالفات إلى سؤال جوهري عن مصير هذه الانتخابات وإمكانية إجرائها.
أما على المستوى الرسمي، فالموقف واضح. رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون جدّد أكثر من مرة التأكيد على أنّ الانتخابات ستجري في موعدها الدستوري، معتبراً أن أي تأجيلا سيُفقد المؤسسات صدقيتها داخلياً وخارجياً، كما أن رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام يلاقي الرئيس عون في الموقف نفسه، إذ يشدّد خلال لقاءاته لا سيما مع السفراء والمبعوثين الدوليين أن حكومته ملتزمة التحضير للاستحقاق في وقته، ويلفت إلى أنّ تعطيله سيعرّض لبنان لمواجهة مع المجتمع الدولي، ويهدّد الثقة التي يسعى لاستعادتها مع المؤسسات المالية المانحة.
إلى جانب الموقف الرسمي، ترفض بعض القوى السياسية المسّ بموعد الانتخابات، معتبرة أنّ التمديد «خط أحمر» لن يقبل به الشارع اللبناني ولا المجتمع الدولي.
لكن رغم هذا الالتزام العلني، تبقى العُقد قائمة. وأبرزها مصير قانون الانتخاب الحالي، ولا سيما المادة 112 المتعلقة باقتراع المغتربين لستة نواب مخصّصين. وفي الوقت التي بدأت فيه وزارة الخارجية استعداداتها لفتح باب التسجيل بين 25 أيلول و25 تشرين الثاني، حذّرت مصادر سياسية عبر «اللواء» من صعوبات تقنية ولوجستية قد تحول دون إنجاح العملية، خصوصا على صعيد توزيع المقاعد على القارات، وصعوبة انتقال الناخبين، إضافة إلى احتمال حرمان المسجّلين في الخارج من التصويت في لبنان، فكل هذه الثغرات قد تُستغل لإعادة طرح فكرة تعديل القانون أو حتى تعليق الاستحقاق.
وفي هذا السياق، برزت خطوة لافتة داخل البرلمان، حيث عقد ٩ نواب يمثلون عدد من الكتل النيابية مؤتمراً صحافياً الثلاثاء الماضي دعوا خلاله إلى إدراج اقتراح القانون المتعلق باقتراع المغتربين على جدول أعمال الجلسة التشريعية المقبلة. وتحدّث النائب ميشال الدويهي باسمهم موضحاً أنّ تسعة نواب كانوا قد وقّعوا اقتراح قانون معجّل مكرّر بتاريخ 9 أيار 2025، يقضي بإتاحة اقتراع المغتربين لـ128 نائباً فقط، وهو ما انضم إليه 61 نائباً آخرين عبر عريضة تطالب رئيس المجلس بإحالته إلى الهيئة العامة. وشدّد الدويهي على أنّ «الموضوع سياسي، قانوني ودستوري بامتياز، ويمسّ مبدأ العدالة والمساواة بين اللبنانيين، إضافة إلى حق المغتربين في تقرير مصيرهم»، داعياً المجلس إلى حسمه سريعاً.
بالتوازي يتردّد أن رئيس المجلس نبيه بري لا يزال متمسّكاً بعدم إدخال تعديلات على قانون الانتخابات إذا لم يحصل توافق واسع عليه.
واللافت هو ما قاله نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب إذ اعتبر أن ما قامت به الحكومة بإرسال وزير لإبلاغ تعديلات شفهية إلى المجلس يُشكّل «هرطقة دستورية»، في وقت تؤكّد كل الأجواء أنّ الحكومة ليست في وارد إرسال أي مشروع قانون انتخابي جديد.
وفي هذا الإطار، تلفت مصادر سياسية متابعة للملف الانتخابي عبر «اللواء» إلى مواقف بعض الكتل النيابية ومطالباتها بإدراج التعديلات على جدول أعمال المجلس النيابي، وتستبعد في المقابل إدراج الموضوع من قبل الرئيس نبيه بري على جدول أعمال أي جلسة تشريعية مقبلة مع تمسّكه على إبقاء القانون كما هو، ما يفتح باب التأويلات حول خلفيات الموقف حسب المصادر التي تلفت إلى ما ينقل عن الرئيس بري قوله إن أي تعديلا للقانون يحتاج إلى توافق سياسي واسع وهو لا يبدو متوفراً حالياً.
وفيما تصرّ المعارضة على أنّ أي تأجيلا سيكون بمثابة انقلاب على الدستور، تشير المصادر إلى أن معظم القوى التقليدية ليست متحمّسة للانتخابات، لكنها لا تريد تحمّل مسؤولية المجاهرة بخيار التمديد أمام الرأي العام.
وترى المصادر أن التذرّع بالوضع الأمني يُطرح أحياناً كعامل إضافي لتبرير المخاوف من الانتخابات، مستندين إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان وما خلّفه من نزوح ودمار. إلّا أن معارضي هذا الطرح يذكّرون بأن البلاد شهدت انتخابات بلدية ونيابية في ظروف أشدّ خطورة، ما يسقط الحجة الأمنية ويُبقي النقاش في إطاره السياسي الصرف.
وفي السياق، تتخوّف المصادر من أن أي تأجيلا للانتخابات سيضاعف أزمة الثقة بين لبنان والمجتمعين العربي والدولي، ويعرّض البلاد لخسارة الدعم السياسي والاقتصادي المطلوب. وتشير المصادر أيضاً إلى أن الدول المانحة تضع ملف الانتخابات في صلب شروطها لإعادة الانخراط في دعم لبنان، معتبرة أن «التمديد سيُقرأ كإشارة سلبية إلى أن المؤسسات اللبنانية عاجزة عن الالتزام بمسارها الديموقراطي».
وتعتبر المصادر أن بعض القوى السياسية ترى أن التمديد قد يكون «أهون الشرّين»، إذ يمنح بعض القوى فرصة لترتيب أوضاعها الداخلية وتفادي مفاجآت غير محسوبة في صناديق الاقتراع. ولكن يبقى هذا الرأي محاطاً بالكثير من التحفّظات، خصوصاً أنّ الدستور واضح في تحديد المهل، وأنّ التجارب السابقة أثبتت أن التمديد لا يحلّ الأزمات بل يفاقمها.
إذاً، وفي المحصّلة فإن الانتخابات النيابية المقبلة تبدو حتى الساعة في موعدها، وفق ما يؤكد الرؤساء والقوى الأساسية. غير أن الغموض الذي يكتنف ملف قانون الانتخاب، والانقسام الحاد بين الموالاة والمعارضة، يطرحان علامات استفهام حول مدى قدرة الطبقة السياسية على الالتزام بكلمتها، فالاستحقاق الذي يُفترض أن يجدّد الشرعية ويعيد إنتاج المؤسسات قد يتحوّل إلى اختبار لمصداقية الدولة أمام الداخل والخارج.
وفي الانتظار، يبقى الشارع اللبناني، ومعه المجتمع الدولي، في موقع المراقب الحذر، مترقّباً ما إذا كان أيار 2026 سيشكّل بداية مرحلة سياسية جديدة عبر صناديق الاقتراع، أم مجرد محطة مؤجّلة في مسار التمديد المستمر منذ سنوات.