بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 كانون الثاني 2026 12:10ص التحدّيات التي تواجه عهد العماد جوزاف عـون وحكومة الرئيس نوّاف سلام

حجم الخط
من الممكن القـول أنّ أي نظـرة إلى مستقبلٍ ما تستلزم وقفة أيضاً مع الماضي الأليم والحاضر البائس، وكباحثين لا نتحرّك من فراغ، فالماضي والحاضـر السياسي وحتى المستقبل كلها أمــور مترابطة ومتسمرّة دون قيود لا بل يمكن توصيفها بأنها متشعّبة ومُقلِقة. إنّ تشكيل المستقبل السياسي للجمهورية اللبنانية بواقعها الراهن يتطّلبْ التعايش السليم المبني على قواعـد دستورية وقانونية لكي نتمكّن من الإستمرار برؤية ثاقبة موّحدة ومتعمِّقة وليست سطحية.
من المُسلّم به وفق مبادئ العلم السياسي لكي تكون الممارسة السياسية مبنيّة على دروس مستفادة من تصرفات ماضية وكي لا تتكرّر أخطاء حدثت من الذين مارسوا النظام بدون وجه حق وخلافاً للنصوص الدستورية وللنظام الديمقراطي دون أن نتغاضى أنّ هـذه الأخطاء أثرّتْ على نظامنا الديمقراطي وأدّتْ إلى خسائر فادحة. يجب تذكير الجميع بمن فيهم السيدين الرئيسين أنّ الخسائر لا تعـود إلى قـدرة وذكاء اللاعبين على المسرح السياسي اللبناني (محليين - إقليميين - دوليين)، أو التخطيط الممنهج لضرب السيادة الوطنية، إنما ناتج عن التقصير وتراكم الأخطاء القاتلة المقترفة من ساسة إمتهنوا لعبة سياسية قذرة أدّتْ إلى ما أدّتْ إليه من ويلات وما زالوا مستمرّين رغم كل شيء دون ضوابط من النظام السياسي.
الغاية من هذه المقالة ليس نكء الجراح أو التشّفي أو التحليل الهامشي على ما يحصل في العادة، الهدف منها أن نتعلّم ونُدقِّق ونُحلِّل ونخطِّط، وهذه الأمور للأسف غير متوّفرة في غالبية الأحــوال، وإنّ كان التخطيط السليم والتنفيذ المُبهِـر قد تحقّق في العام 2000 و2005 وكانتا مرحلتين حاسمتين وحسّاستين من تاريخ الجمهورية اللبنانية (جمهورية 1920) بالإعداد الجيّد الذي قادته بكركي بمعية مجموعات متحرِّرة مثقفة واعية محايدة لها أبلغ العلاقات مع المجتمعين العربي والدولي وبمعيّة البطريرك المثلث الرحمة مار نصر الله بطرس صفير، وتجلّت في تطبيق ما تضمنته وثيقة الوفاق الوطني، حيث ظهر التضامن الوطني اللبناني على أروع ما يكـون حين وظّفت هذه القوى كل إمكانياتها الفكرية للتحرُّر. هذه الأمور على ما نذكر كمركز أبحاث PEAC كان لها الأثر الأكبر في دعم الحياة الديمقراطية وفي تثبيت مكانة الجمهورية على الخارطة العربية والدولية.
لكن لسوء الحظ كانت الخلافات والصراعات والمصالح الخاصة سيّدة الأمر والتي أثرّتْ كثيراً على هذا المسار وأتاحت لعــوامل الإحباط أن تنتشر في أجواء لبنان، ووقع من أوكلت إليهم السلطة في شِراكها، ولست من المُبالغين حينما أقول وهنا الكثير من الوقائع والأدلة أنّ هناك ساسة أمر واقع مدفوعين وعملاء للخارج، وأقلّ ما يُقال عن منظوماتهم «في ظاهرها حقاً وإنما يُراد به باطــل»، كل هذه الأمور يجب أن تكون واردة في ذهن كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، كما يجب أن تكون واردة في أذهانهم عند نظرتهم إلى الحلــول، وعليهما أن يتعلّما من دروس الماضي وأن يستثمرا كل الإمكانيات والقدرات الحالية وهي على ما نعتقد كثيرة وكبيرة جداً، وأن يتُّم التخطيط بوعـي وإدراك وواقعية وبأمانة صادقة، وتقبُّل النقد الموضوعي البنّاء بذهـن منفتح وبالمصارحة.
في تقديرنا كمركز أبحاث أنّ الجمهورية بخير ولدى جمهوريتنا كل القدرات والإمكانيات، وإنما أمامنا طرف إقليمي شرس وتدخّله على واقعنا السياسي مؤثر ومخالف لقواعد القانون الدولي العام والصراع معه طويل وصعب لأنه لا يُدرك أصول الديمقراطية ونعتقد في هذه المرحلة أنه سيستمِّر، وبالتالي علينا أن نكون كمواطنين وكمسؤولين حذرين وأن نتوّقع أي شيء لأنّ الأرض اللبنانية تحوّلت ساحة صِراع. إنّ ذلك يفرض علينا معالجة مجموعة من القضايا التي تشكّل تحدّياً لجمهوريتنا وأن نتعامــل معها بوعـي وإدراك ويأتي في مقدمة هذه التحديات:
أ- التدخّل الإيراني في شؤون الجمهورية اللبنانية وما يواجهه من تحديات لعلّ أبرزها الأزمة الأمنية الراهنة ومعالجة الآثار السلبية الناجمة عن تعريض مناطق لبنانية لخطـر القصف الإسرائيلي، وهذه الأزمة ما زالت تشكِّل عقبة كبرى أمام إستعادة السيادة الوطنية وتنقية الأجـــواء. من هنا نقترح على رئيس الجمهورية والحكومة تشكيل خلية أزمة متخصصة في الأمور السياسية الدبلوماسية الأمنية مهمتها التنسيق مع الأجهزة الحكومية الرسمية وتحديداً وزارة الخارجية اللبنانية ضمن مهمّة دبلوماسية بموجب قرار يتضمن طلباً رسمياً من مجلس الأمن إصدار قرار أممي يمنع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من التعاطي في شؤون لبنان الداخلية (هذا على صعيد البند الأول)، كما الطلب من مجلس الأمن إرسال قوات أممية للإنتشار على طول الحدود اللبنانية بين دولتي إسرائيل وسوريا بمؤازرة الجيش اللبناني وسائر القوى اللبنانية الشرعية للمحافظة على الأمن المحلّي والإقليمي والدولي (هذا على صعيد البند الثاني)، ومن ثمّ الطلب من الإسرائيليين إخلاء كل المناطق التي احتلوها في هذه الحرب وتسليم الأسرى لديهم.
ب- إعادة إعمــار المناطق التي دمّرتها الحـرب وهي الشرط الأساسي المُلازم للسلام والإستقرار، فبدون إعادة بناء البُنية التحتية والمنازل وتوفير الخــدمات الأساسية يستمرْ الحرمان واليأس والفقر والتشرُّد، وهذا ما يُعيق عودة اللبنانيين الأبرياء إلى قراهم ويزيد من فرص تجدُّد المشاكل الإجتماعية. من هذا المنطلق كمركز أبحاث نسعى وفق الإمكانيات المتاحة التي نملكها إلى المُساهمة لا بل تسريع مؤتمر الدعم المتمثل بإعادة الإعمار لأنه خطـوة تعكس تزايد الإهتمام بملف الأهالي الذين فقدوا منازلهم وأرزاقهم، لكن هذا الملف من المفترض أن يتضمن شروطاً منها:
• حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.
• إنشاء لجنة عربية أممية للإشراف على عملية الإعمار.
إننا نؤمن بأهمية دعـم الجمهورية الشامل في مواجهة التحديات التي تهدِّد السيادة الوطنية ووحدة الأراضي اللبنانية ومواردها الطبيعية، وإنطلاقاً من الإرتباط الوثيق بين السياسة بمفهومها الشامل كوحدة لا يمكن تجزأتها وبين الأمن الوطني المرتكز على قانون الدفاع الوطني الذي يحصر حماية الدولة بقواها الشرعية الذاتية دون أي شريك لها، نؤكد على تمسّكنا بخيار الدولة السيادي والإلتزام بمساعدة المسؤولين فيها إن رغبوا.