ليس هناك في الأفق ما يشير إلى إمكانية حصول تدخل أميركي جدي، قد يدفع إسرائيل إلى التخفيف من لهجتها التصعيدية ضد لبنان، وبما يؤدي إلى خفض وتيرة الاعتداءات اليومية التي لم توفر البشر ولا الحجر . ولا يبدو أن أن الاجتماع ال13 للجنة "الميكانيزم" في الناقورة، أمس، سيكون مختلفاً في نتائجه عن الاجتماعات التي سبقته، طالما أن إسرائيل عازمة على الاستمرار في سياسة التصعيد غير المحدود . لا بل أكثر من ذلك، فإنها واستناداً إلى ما توافر من معلومات، تستعد لتوسيع دائرة هذه الاعتداءات لأسباب عديدة، متهمة الجيش اللبناني بأنه غير قادر على لجم "حزب الله" الذي يروج الاحتلال أنه يعمل على استعادة قدراته العسكرية، حتى في منطقة جنوب الليطاني . وقد أعطى كلام الأمين العام ل"الحزب" الشيخ نعيم قاسم، مؤشراً قوياً على أن الأمور ذاهبة فعلاً إلى تصعيد مفتوح على كل الاحتمالات . بعد تأكيده أن صبر "حزب الله" على ممارسات إسرائيل بدأ ينفد . ما يدل على أن "الحزب" لن يبقى مكتوف الأيدي إزاء ما يقوم به الاحتلال . وهذا ما يثير القلق من خروج الأوضاع عن السيطرة في أي وقت، بعدما بات اتفاق وقف إطلاق النار عرضة للانهيار، على وقع تزايد الخروقات الإسرائيلية واتساع نطاقها .
وفي زيارة هامة في التوقيت والمضمون، بدأت مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا آن كلير لوجاندر، زيارة إلى بيروت أمس، حيث من المقرر أن تلتقي كبار المسؤولين اللبنانيين . وعلم أن المسؤولة الفرنسية تحمل معها رسائل على قدر كبير من الأهمية، لناحية التحذير من خطورة الأوضاع على الجبهة الجنوبية، والعمل على توحيد الجهود خشية انهيار وقف إطلاق النار، في ظل عودة التهديدات المتبادلة بين إسرائيل و"حزب الله" . وستبحث لوجاندر في بيروت مستقبل الدعم الفرنسي للبنان ومسار الإصلاحات المطلوبة التي لم ينفذ لبنان إلا القليل منها. ووفقاً للمعلومات، فإن زيارة لوجاندر تأتي في سياق المساعدات الفرنسية للبنان، سواء عبر قوات حفظ السلام، أو من خلال لجنة الميكانيزم، إضافة إلى دعم الإصلاحات المالية، في وقت يشهد فيه لبنان تصاعد الضغوط الإسرائيلية، ما يزيد من أهمية الدور الفرنسي في هذه المرحلة. وتخشى باريس في حال تصاعد حدة التهديدات بين إسرائيل و"حزب الله"، أن تأخذ الأمور منحى بالغ الخطورة، ما يهدد مصير اتفاق وقف إطلاق النار برمته، في ظل استعدادات متبادلة من جانب الطرفين لخوض جولة جديدة من المواجهات، لا يمكن التكهن بالنتائج التي يمكن أن تتمخض عنها.
وفيما لا زالت نتائج زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية، ترخي بثقلها على الوضع الداخلي، فقد علم أن الوفد سلم المسؤولين الذين التقاهم لائحة بعدد من الشروط من أجل تلبيتها، محذراً من مغبة أي تقصير من جانب السلطات اللبنانية في تنفيذ مضمون هذه الشروط، لكي ينجو لبنان بنفسه من عواقب وخيمة إذا تلكأ في محاصرة "حزب الله" مالياً وعسكرياً . وطالب الوفد لبنان، بإقفال كل فروع القرض الحسن على الأراضي اللبنانية في أسرع وقت، إلى جانب تشديد الرقابة على المعابر الشرعية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإغلاق معابر التهريب غير الشرعي. وكذلك العمل على مراقبة دقيقة لشركات الصيرفة وتحويل الأموال، وإغلاق عدد من شركات تحويل الأموال التي صُنّفت على لوائح العقوبات وعدم السماح لها بالعمل. ومكافحة "اقتصاد الكاش" بشكل كامل، من خلال اتخاذ الإجراءات الإصلاحية اللازمة للتخلي عن مسألة تشغيل صرافين يعملون في مجال جمع الدولار من السوق لمصلحة مصرف لبنان. وكذلك تشديد الرقابة على عدم استفادة حزب الله من علاقاته ونفوذه داخل الدولة أو مؤسساتها أو أجهزتها ليتمكن من إدخال الأموال، إضافة إلى مراقبة ومعرفة مصادر كل التحويلات المالية أو المبالغ التي يحملها الأفراد الاتين من الخارج إلى لبنان عبر المطار. والالتزام بالمهل الزمنيّة لسحب السلاح بشكل كامل، ووقف تهريب الأموال ومنع حزب الله من بناء قدراته العسكرية والأمنية المؤسساتية.
وأكد الوفد الأميركي، أن أي تجاوز من جانب لبنان للاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب وعمليات تبييض الأموال، ستعرضه لمخاطر شديدة ستترك تداعياتها على أوضاعه السياسية والاقتصادية، مشدداً على أن على لبنان القيام بالكثير من الخطوات من أجل لجم المال النقدي وغير الشرعي، بهدف إعادة الأمور إلى الاقتصاد الشرعي، وتفعيل دور القطاع المصرفي وإخضاعه لرقابة مشددة، بعد عملية إصلاحه بالشكل المطلوب، ومؤكداً أن الأميركيين حذروا من أنهم قد يلجأون إلى إجراءات أشد إيلاماً، إذا لم يلتزم لبنان بما تعهد به . وأشار إلى أن لبنان يمكن أن يستفيد من تعليق قانون قيصر، على صعيد الاستفادة من استجرار الغاز من مصر عبر الأردن وسورية. وكذلك يمكن أن تتحسن علاقات لبنان الاقتصادية مع سورية، بما يخفف عمليات التهريب .