عمر البردان :
تتشعب اهتمامات الحكم في أكثر من اتجاه، سيما في ما يتصل بالتركيز على بدل المزيد من الجهود للضغط على إسرائيل للانسحاب من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها، باعتبار أن الأوضاع الأمنية ستبقى مضطربة، طالما استمر العدو في احتلاله لأجزاء من الأراضي اللبنانية، فيما لا يزال ملف الحدود الشرقية والشمالية يستأثر باهتمام القيادة السياسية . وفي حين كان وفد وزاري وأمني لبنان بصدد زيارة دمشق، اليوم، تم إرجاء الزيارة بطلب من الجانب السوري إلى موعد يحدد لاحقاً . وبانتظار تحديد موعد جديد، لمعالجة العديد من الملفات الأمنية العالقة بين البلدين، تتجه الأنظار إلى زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى باريس، الجمعة المقبل، حيث سيلتقي نظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون في قصر الاليزيه . وسيكون اللقاء مناسبة لتجديد الدعم الفرنسي للبنان، سيما في ما يتصل بإعادة الأعمار، توازياً مع الاستعدادات التي تبذلها باريس لحشد أكبر دعم عربي ودولي لمؤتمر إعادة الإعمار الذي من المتوقع أن تستضيفه العاصمة الفرنسية في الأشهر القليلة المقبلة . وقد كان هذا الملف محور لقاء الرئيس عون مع المبعوث الرئاسي الفرنسي، جان إيف لو دريان، كذلك تم البحث في التحضيرات لزيارة رئيس الجمهورية باريس . وتناول اللقاء الأوضاع السياسية والاقتصادية في لبنان، إضافة إلى العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفيما عزت مصادر لبنانية أسباب تأجيل زيارة الوفد إلى دمشق، لأسباب تتعلق بالجانب السوري الذي يريد توفير الأجواء المناسبة لنجاح الزيارة، فإنها أشارت إلى أن الجانب اللبناني من جهته، قد جهز ملفاته كاملة، من أجل بحث كل الأمور وبشفافية مع المسؤولين السوريين الذين ستشملهم الزيارة، وفي مقدمهم وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ومدير المخابرات العامة اللواء أنس خطاب، وذلك لتعزيز التعاون الأمني بين لبنان وسوريا في ظل الظروف الأمنية الحساسة التي تشهدها المنطقة الحدودية. وتأتي أهمية الزيارة وهي الاولى لوفد لبناني رسمي بعد تأليف الحكومة، وعلى إثر اشتباكات الدامية التي وقعت على الحدود الشرقية، حيث شهدت بلدة حوش السيد علي في الهرمل الأسبوع الماضي، مواجهات أدت إلى مقتل سبعة أشخاص في لبنان، بالإضافة إلى ثلاثة من الجانب السوري. وجاءت هذه المواجهات نتيجة لتوترات بدأت في 16 آذار الماضي بعد دخول ثلاثة عناصر من الأمن العام السوري إلى الأراضي اللبنانية في بلدة القصر .
وفي الوقت الذي تربط فرنسا والمجتمعان العربي والدولي أي دعم للبنان، بتنفيذه حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، أكد الرئيس عون للمبعوث الرئاسي الفرنسي، أن الإصلاحات تُعدّ أولوية قصوى، مشددًا على ضرورة تنفيذها بالتوازي مع إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل، والعمل على إعادة الثقة في الداخل اللبناني. وأشار إلى، أنّ الإجراءات الإدارية التي سيتم اتخاذها تحمل رسالة إيجابية إلى الداخل اللبناني والخارج، لافتًا إلى أهمية التزام رعاة اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل بمسؤولياتهم، والضغط عليها للامتثال لبنوده حفاظًا على صدقيتهم، ولوقف الأعمال العدائية المستمرة. وهذه المواقف تؤكد موقفاً لبنانياً حاسماً بأنه لا مفر من تنفيذ هذه الإصلاحات، باعتبار أن هناك قناعة لبنانية، بأن لا مجال لأي دعم مالي خارجي، إلا بسلوك طريق الإصلاح الذي سيفتح أبواب المساعدات للبنانيين، وتحديداً في مجال إعادة الإعمار التي تتطلب مليارات الدولارات . وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا بوقوف أشقاء لبنان وأصدقائه إلى جانبه .
ومع ترقب عودة نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس إلى بيروت، بعد عطلة عيد الفطر، وما يمكن أن تحمله في جعبتها، في ظل تزايد الحديث عن سعي أميركي للسير في طريق التطبيع مع إسرائيل، فإن أوساطاً وزارية تؤكد ل"اللواء" أن لبنان ثابت على مواقفه في رفض أي محاولة من واشنطن أو غيرها، للسير في مشروعات التطبيع، مشددة على أن جهود لبنان مع الموفدين تركز على حتمية الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية في أسرع وقت . وهو الأمر الأساسي الذي سيتم بحثه مع المسؤولة الأميركية لدى زيارتها بيروت . وتشدد في هذا الإطار مصادر رئاسية، على أن أركان الحكم يمارسون ضغوطاً مع الجهات الدولية، من أجل إرغام الاحتلال على الانسحاب من النقاط الخمس في أسرع وقت ممكن، لأنه لا يمكن القبول ببقاء إسرائيل على شبر واحد من الأراضي اللبنانية . وسيضع لبنان الإدارة الأميركية أمام مسؤولياتها في لجم استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، والطلب من حليفتها الخروج من جميع الأراضي اللبنانية.
ومن هنا فإن استمرار الاحتلال في خرق اتفاق وقف إطلاق النار وتهديده بعدم الانسحاب، يثيران المخاوف إزاء نوايا العدو تجاه لبنان، فيما تكثر التساؤلات عن مدى جدية اللجنة الأمنية الخماسية في وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، من استهدافات للمدنيين، إلى هدم المنازل وتفجيرها في عدد من القرى، وتجريف الأراضي الزراعية، وبالتالي إرغام إسرائيل على الانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية . بعدما ظهر بوضوح أن هذا المسار العدواني لجيش الاحتلال، لا يؤشر إلى أن إسرائيل مستعدة للالتزام بتنفيذ بنود اتفاق وقف النار . وهي التي تواصل الاستمرار في سياسة الاغتيالات، واستهداف مناطق واسعة في الجنوب والبقاع، والتهديد بضرب بيروت، بعد عملية إطلاق الصواريخ من داخل الأراضي اللبنانية، والتي لم يتبنها "حزب الله"، ولا تزال مجهولة المصدر حتى الآن .
وإذ لا يفوت المسؤولون اللبنانيون مناسبة، إلا ويؤكدون خلالها الالتزام بمضمون وقف إطلاق النار، والتمسك بالقرار 1701، داعين إسرائيل للالتزام به، ووقف استفزازاتها ضد لبنان، فإن مصادر أممية تعتبر أن وقف النار بين لبنان وإسرائيل لا يجب أن يتعرض لأي اهتزاز، لأن ذلك قد يأخذ الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، مشددة على أنه مصلحة الجميع ألا يسقط اتفاق وقف النار، بالنظر إلى عواقب ذلك على جميع الأطراف المعنية. وهذه الدعوة الأممية تأتي في وقت يحاول جيش الاحتلال السعي لاستغلال الوضع العسكري، بهدف فرض شروط جديدة على لبنان، خارج نطاق حدود القرار 1701، وما تم التوافق عليه، في إطار العمل على الحصول على مكاسب سياسية، لم يستطع تحقيقها بالضغط العسكري أثناء الحرب . وعلم في هذا الإطار، أن الرئيس عون سيطلب من الرئيس ماكرون، أن تقوم بلاده بجهود من أجل الضغط على إسرائيل، لسحب جيشها من لبنان في وقت قريب، بالنظر إلى عواقب استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الجنوب، وما يمثله ذلك من عدوان مدان ومستنكر بكافة المقاييس .