بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 آذار 2026 12:05ص الحرب الإسرائيلية - الأميركية: التقدّم في الطريق المسدود

حجم الخط
تكشف الحرب الدائرة اليوم تحوّلاً استراتيجياً في مسار الصراع في المنطقة بين المحور الإيراني والذي تتمثل جبهته الرئيسية بإيران وحزب الله في لبنان، وبين القوى التي تسعى إلى تفكيك هذا المحور والسيطرة عليه عسكرياً وسياسياً، وذلك في سياق مشروع كبير يهدف إلى إقامة إسرائيل الكبرى، والتي أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي التأكيد عليها في أكثر مناسبة في الأشهر الأخيرة. كما تسعى الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب إلى انتزاع موطئ قدم جديد لها في المنطقة وإعادة رسم خرائط جديدة، وتحصيل المزيد من المكاسب والمغانم الاقتصادية والسياسية والأمنية، وكل ذلك سيؤدي إلى تعميق عدم الاستقرار في المنطقة، والى التأكل والتلاشي للدول والمجتمعات في ظل هذه الخطة المرسومة والتي بدأ الأميركيون والإسرائيليون بتنفيذها في أكثر من منطقة، وذلك من خلال إعادة احياء الهويات الدينية والمذهبية على حساب الهوية القومية الجامعة.
مع الساعات الأولى لهذه الحرب تبيّن أن الجميع كان يتحضّر لها وينتظرها بعد تراكم طويل من فشل الجهود في التوصل إلى حل سياسي. وحتى هذه الساعة يبدو إن النتائج أتت خارج توقعات الولايات المتحدة وإسرائيل، واللذان لم يتمكنا حتى الآن من تحقيق أي هدف من أهدافهم المعلنة والمستترة، وفي مقدمتها السيطرة على إيران، وهم اعتقدوا أن اغتيال المرشد الأعلى سيؤدي إلى انهيار ليس النظام فقط بل المحور برمّته، وأحدث صدمة داخلية عميقة تمتد تأثيراتها لعقود من الزمن. فالبرغم من اغتيال المرشد الأعلى ومعه عدد كبير من قادة الصف الأول في القيادة العسكرية الإيرانية، فأن القيادة الإيرانية استطاعت ترميم نفسها، وتعبئة كل الفراغات بسرعة قياسية، وأهمها انتخاب مرشد أعلى جديد. وهذا ما انعكس على سير العمليات العسكرية التي تقوم القوات الإيرانية بتنفيذها بكفاءة عالية. واليوم إذا كان من حديث عن نتائج المعركة حتى الآن فأنه يمكن القول بأن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا في مأزق استراتيجي، وحرب استنزاف طويلة الأمد، والتي ستؤدي مثلاً إلى تعطيل حركة الاقتصاد الاسرائيلي، وتصاعد حركة الاحتجاج داخل المجتمع الإسرائيلي، وذلك مع تزايد عدد الإصابات في صفوف المستوطنين والجيش معاً. وكما في إسرائيل كذلك في الولايات المتحدة فأنه كلما طال أمد الحرب فأن المعارضة ستتصاعد بوجه دونالد ترامب، وستدرك الإدارة الأميركية أكثر وأكثر استحالة تحقيق النصر الموعود، وأن هذه الحرب لم تستطع تعزيز دور واشنطن كقوة عظمى بل أرهقتها بمزيد من المشكلات المعقّدة، ما سيؤدي إلى تصاعد دور قوى استراتيجية كبرى في العالم تسعى إلى منافستها على قيادة النظام العالمي الجديد أهمها الصين وروسيا.
هذا بالنسبة لإيران أما بالنسبة لحزب الله فأنه لم ينتظر طويلاً للدخول في المعركة، واضعاً تدخّله في سياق الحرب الاستباقية، وفشل كل الجهود السياسية في حمل إسرائيل على الالتزام باتفاقية عدم الاعتداء التي تم التوصل إليها في نهاية الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان عام 2024.
ففي قراءة أولية لمسار المعركة على الجبهة الجنوبية حتى الآن، يبدو أن حزب الله بالرغم كل الخسائر التي تكبّدها في الحرب الماضية ما زال على تماسكه سياسياُ وعسكرياُ وأمنياُ، وهذا واضح من خلال قدرته على إدارة المعركة بواسطة الصواريخ والمسيّرات، وانه قادر على توسيع نطاق عملياته لتطال منشآت حيوية في عمق فلسطين المحتلة، وردّاُ على عمليات التهجير الواسعة التي قامت بها إسرائيل لعدد كبير من سكان الضاحية الجنوبية والبقاع، وذلك بغرض خلق شرخ داخل المجتمع اللبناني. ولكن يبدو إن هذا المشروع فشل في تحقيق أهدافه نتيجة التضامن الاجتماعي الذي أبداه جميع اللبنانيين من كل الفئات والمناطق مع النازحين، ومبادرتهم إلى احتضانهم وتقديم المساعدات لهم، وردّاُ على هذه الخطة الإسرائيلية قام حزب الله بتنفيذ معادلة «التهجير بالتهجير»، ما أدّى إلى نزوح آلاف المستوطنين من مستوطناتهم إلى اجل غير مسمّى.
وإذا كانت إسرائيل قد امتنعت حتى الآن عن قصف البنى التحتية في لبنان، فان ذلك يعود لخوفها من الانزلاق إلى مواجهة خارجة عن السيطرة، وخصوصاً أنها متأكدة من قدرة حزب الله على استهداف البنية التحتية للكيان الغاصب في لحظة حاسمة من الحرب وفي العمق.
قبل الحرب الأخيرة كانت خطة إسرائيل التمهيد لإقامة منطقة عازلة عبر تدمير المنازل وإحراق الأراضي تمهيداً للاستيلاء عليها وتوطين عدد كبير من اليهود مكان السكان الأصليين.
ولكن اليوم أصبح واضحاً أن هذا المشروع بات في الطريق المسدود، بعد أن تبيّن أن المقاومة نجحت في تعزيز مواقعها في مناطق بالقرب من الشريط الحدودي المحاذي لفلسطين المحتلة مع الاحتفاظ بعدد كبير من المقاتلين، وانها قادرة على الاشتباك مع العدو في جولات قتالية متتالية ومنعه من التقدّم.

* كاتب وصحافي لبناني