تتسارع وتيرة التصعيد الاسرائيلي على حزب الله، مهدِّداً بتحويل الضاحية إلى خان يونس آخر، مضاعفاً أعداد المهجرين إلى مئات الألوف مهدِّداً بكارثة اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة . من المهم ان تقيِّم بيئة الحزب المستجدات بتجرد ، فالمطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة لم تكن يوماً تهدف إلى كسرها أو استهدافها، بل إلى حمايتها من خسارة الأرض مرة أخرى، وهي خسارة لن يكون من السهل استعادتها في ظل اختلال فادح في ميزان القوى. كما أن هذه المطالبة كانت تسعى إلى تجنيب لبنان حرباً انتحارية لا يملك فيها مقومات الصمود، حيث تميل الكفة بشكل واضح لصالح العدو.
في المقابل، يبدو واضحاً أن تمسُّك حزب الله بسلاحه لم يكن بهدف الدفاع عن الأرض بقدر ما كان جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع، تتصل بفتح جبهة إسناد لإيران عند الحاجة لتخفيف الضغط عنها. وهكذا، لم تكن المصلحة الوطنية اللبنانية، ولا حتى مصلحة البيئة الحاضنة للحزب وأمنها واستقرارها، في صدارة الأولويات. فحزب الله الذي احتفل بعيد التحرير عام ٢٠٠٠ يبدو مختلفاً تماماً عن الحزب الذي نراه اليوم، والذي تحوّل تدريجياً خلال ما يقارب الخمسة عشر عاماً إلى ذراع إيراني في المنطقة، بحيث أصبح قرار الحرب والسلم مرتبطاً بحسابات الحرس الثوري أكثر مما هو مرتبط بالمصلحة اللبنانية.
ومن هنا يتضح التناقض الجوهري بين قيام دولة ذات سيادة مقابل ميليشيا مسلحة تحتفظ بقرار الحرب والسلم. فالدولة تُترك لتتكفل بلملمة الجراح، وإزالة الأنقاض، وإدارة الإنقاذ الاجتماعي، وتحمُّل أعباء إعادة الإعمار، بينما يبقى القرار العسكري خارج إطارها. بمعنى آخر، تتحمل الدولة تبعات المغامرات العسكرية التي لا تملك قرارها.
في الوقت نفسه، تبدو إيران وكأنها دخلت دوامة تصعيد خطيرة دفاعاً عن نظامها، حتى لو أدى ذلك إلى إشعال المنطقة بأكملها. فقد تجاوزت رسائلها حدود الخصومة التقليدية، لتطال دول الخليج التي لعبت دور الوسيط والصديق، وصولاً إلى التلويح بضرب البنى التحتية المرتبطة بإمدادات النفط العالمية، وكأن منطق «الأرض المحروقة» بات حاضراً في الحسابات السياسية.
وفي خضم هذه المعادلة المعقدة، يجد لبنان نفسه ساحة مفتوحة لصراع أكبر منه بكثير، حيث تحاول كل من إسرائيل وإيران استغلاله في إطار صراعهما الإقليمي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يُعقل أن يبقى بلد صغير مثل لبنان رهينة قرارات تتجاوز حدوده ومصالح شعبه؟
حرب إسناد وصواريخ للثأر لم تنقذ غزة من المجازر ولم تخرج ايران من مأزقها، بل على العكس، فتحت شهية العدو على قضم المزيد من أراضي الجنوب وربما ابعد منه، كون الإمكانيات التي يستخدمها الحزب باتت معروفة ولا تشكل خطراً على أمن إسرائيل بقدر ما تشكّل ذريعة للانقضاض على لبنان وإخضاعه لشروط استسلام أكثر منها مفاوضات.
ومن هنا نفهم قرار الدولة بحصرية السلاح، حيث اثبتت التجارب أن لا ملجأ ولا ملاذ ولا مخرج من هذا النفق إلا عبر الطرق الشرعية وتحت مظلة الدولة، حيث لا استقرار ولا أمن ولا إعادة بناء إلا من خلال القوى الشرعية، ولا جهة غير الشرعية!