عمر البردان :
بقدر ما أشاع الرئيس المكلف تشكيل الحكومة نواف سلام أجواء إيجابية، بشأن تأليف الحكومة في وقت قريب، بقدر ما كان حازماً بأنه هو من يتولى عملية التأليف، ولا يقبل بأن يكون ساعي بريد، يتسلم أسماء الوزراء ليسقطها على الحقائب . وقد أراد الرئيس سلام إيصال رسالة إلى "الثنائي" وبقية المكونات السياسية، بأنه لن يقبل أن يخضع للابتزاز، من هذا الفريق أو ذاك . وبالتالي فإن تشكيل الحكومة الذي يحرص أن يتم بأسرع وقت، لن يكون رهينة مطالب القوى السياسية، مع الحرص على مشاركة الجميع في التشكيلة المنتظرة، والتي لن تستثني أحداً، لكن في الوقت نفسه، ليس من المقبول أن تكون هذه الحكومة أسيرة هذه الجهة أو تلك . وانطلاقاً من هنا فإن الرئيس المكلف من دعاة المداورة في الحقائب، بهدف تعزيز مكامن الثقة بين الشركاء في الوطن، والتأكيد للجميع أن لا حقيبة حكراً على أي طائفة، انسجاماً مع نصوص الدستور وروحه .
وأبلغت مصادر نيابية "موقع اللواء"، أن مسار التأليف يسير بشكل طبيعي، وأن رئيس الجمهورية جوزاف عون والرئيس سلام، متفهمان على كل ما يتصل بعملية تشكيل الحكومة، بعدما توافقا على توزيع الحقائب، بانتظار أن يتم اختيار الأسماء المرشحة للتوزير . وقد كانت رؤية الرئيسين واحدة، في ضرورة أن يكون الوزراء من ذوي الاختصاص، لكن غير حزبيين، خلافاً لما كان يحصل في الحكومات السابقة . وتكشف المصادر، أن تصاعد الدخان الأبيض الحكومي مرجح في الساعات المقبلة، على أن يعقد اجتماع آخر بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، لجوجلة الأسماء المقترحة للتوزير، في اليومين المقبلين، تمهيداً لإعلان مراسيم تأليف الحكومة الأولى في العهد الجديد . وأشارت المصادر إلى أن لبنان يعول كثيراً على البشائر المرتجاة من زيارتي وزيري خارجية المملكة العربية السعودية والكويت، الأمير فيصل بن فرحان وعبدالله اليحيا إلى بيروت، هذا الأسبوع، باعتبارهما مؤشراً أساسياً على عودة الاهتمام الخليجي بلبنان .
وسط هذه الأجواء، ومع اقتراب موعد السابع والعشرين من الجاري، فإن أوساطاً مراقبة، لا تستبعد أن يلجأ الاحتلال إلى أسلوب المناورة بعد هذا التاريخ، أي أن يرفض تنفيذ بنود اتفاق وقف النار، بإبقاء جيشه في لبنان، بحكم أن رئيس وزراء العدو قد لا يكون مستعداً للخروج الكامل من الأراضي اللبنانية، بذرائع واهية، ليس أقلها عدم قدرة الجيش اللبناني على تدمير بنية "حزب الله" العسكرية، ما قد يعرض الاتفاق للخطر، ويرفع عندها من حماوة الميدان، وهذا سيترك تأثيره السلبي على الجهود الدبلوماسية الأميركية والفرنسية التي ساهمت في تحقيق وقف إطلاق النار . لكن ووفقاً لقراءة دبلوماسية غربية، فإن لا مفر أمام إسرائيل إلا بسحب جيشها الكامل من لبنان، في ظل تأكيدات المجتمع الدولي، أن أساس الحل في الجنوب، الالتزام بنص ال1701 ، بعدما أصبحت منطقة جنوب الليطاني في عهدة الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية . وتالياً فإن لا مبرر لإسرائيل بإبقاء قواتها في الأراضي اللبنانية، وإلا تكون كمن يلعب بالنار، ولا يمكن حينها التكهن بالتداعيات .
ورغم التزام الإدارة الأميركية الجديدة العمل من أجل إحلال السلام في الشرق أوساط، وإنهاء النزاعات الدولية، إلا أن هناك مخاوف مشروعة لدى الخبراء والمحللين، من مغبة أن تستغل إسرائيل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، للاستمرار في مخططها العدواني في المنطقة . ولذلك فإن المطلوب، موقف عربي وإسلامي موحد، يطالب واشنطن بأن تفي بالتزاماتها من أجل تحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، بعدما أثبتت إدارة الرئيس جو بايدن عجزها الكامل عن الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها على لبنان وغزة . وإزاء ذلك، فإن ثمة من لا يستبعد أن تمارس الإدارة الأميركية الجديدة المزيد من الضغوطات على لبنان والدول العربية، للقبول بالشروط الإسرائيلية التي ستكون أقرب إلى الاستسلام، منه إلى ما يتوافق مع مصلحة لبنان والشعب الفلسطيني . ولهذا فإن الحذر مطلوب في هذه المرحلة، حيال توجهات الرئيس الأميركي الجديد وإدارته العتيدة بالنسبة إلى لبنان وغزة.
وفي هذا السياق، وإذ تؤكد الأوساط الدبلوماسية، ضرورة التزام جميع الأطراف بقرارات الأمم المتحدة، وفي مقدمها القرارا 1701، على ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، فإنها تعتبر أن هذا القرار، يشكل أرضية صالحة للتهدئة بين إسرائيل و"حزب الله"، وعنواناً للاستقرار في منطقة جنوب الليطاني . وبرأي مصادر نيابية، فإن الاستحقاقات الداهمة التي تنتظر لبنان، تفرض على جميع الأطراف وضع مصلحة البلد أولوية على ما عداها . فاللبنانيون ما عادوا قادرين على تحمل تداعيات الأزمات التي تعصف بالمؤسسات، وخلق مزيد من أجواء الفوضى والتسيب، ما زاد من معاناة الناس، وفاقم من مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية، على أمل أن تساهم الجهود العربية والدولية الرامية إلى مساعدة اللبنانيين للخروج من النفق، من خلال مؤازرة العهد الجديد، ودعمه بمل الإمكانات اللازمة لتجاوز هذه المرحلة العصيبة، وعلى اعتبار أن لبنان لا يمكنه الوقوف على قدميه، دون دعم الأشقاء والأصدقاء .