بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 آذار 2026 12:10ص الرهان على الواقع

حجم الخط
في هذه الحرب السفيهة بين إسرائيل وإيران، مفارقة غريبة عجيبة، تستدعي من كل عاقل، أن يعمل عقله، لكي يرى أين تذهب الأمور، وإلى أين ستصير البلاد، وكيف كان على أهلنا في جميع المستويات، أن يحسنوا التصرف، إزاء ما يحيط بنا من أخطار وجودية حقيقية، تفوق الخيال، ويتصرفوا بكل واقعية. كان على أهلنا أن يجوسوا الدرب التي يسلكونها جيدا، قبل السير فيها، حتى لا يغرقوا في اللجج، ويصيروا آنئذ إلى اللجة العمياء، فلا يعرفون بعد ذلك، كيفية الخلاص، مما وقعوا فيه، ولا يعرف بالتالي أهلنا السبيل إلى الهداية و النجاة.
قبل شروع إسرائيل بالحرب، ظل نتنياهو يروح ويجيء إلى واشنطن عشرات المرات سرّا وعلانية، للإجتماع بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حتى إستطاع أن يأخذه إلى جانبه داعما له. وظل يحافظ على تأكيد ظهوره معه في الصورة: فردا وعائلة وفريق عمل، حتى بات العالم كله يتحدث، عن أن إسرائيل هي التي تحكم الولايات المتحدة وتدير سياستها الخارجية، وتنحو بها إلى هذا الإتجاه أو ذاك، وليس العكس..
في المقابل، أمضت إيران تلك الفترة، مسترخية، ناعمة البال، تنام على أمجاد امبراطوريتها العظمى في التاريخ، وعلى أنها لها أذرع قوية من أهلنا، صنعت منهم الميليشيات والأفواج والحراس، وصنعت لها بالتالي حركة حماس، وكل الفصائل الجهادية، وأتخمتهم بالمال والسلاح، وأدارت ظهرها لمحور الممانعة الدولي، بعدما تأكدت أنه ظل دهره، محور مناورة، لا أكثر ولا أقل، خصوصا بعدما أخفوا الأسد وخطفوه ليلا مع أموال سوريا، إلى روسيا، وداس على عقيدة النظام في المواجهة، وجعلوا فلوله في العراء.
أقول: اختارت إسرائيل لمعركتها أميركا بقضها وقضيضها، حليفا لها. وأما أيران، فقد إختار بكل تواضع، ميليشيا «حزب الله»/ الجريح، بعدما إستشهد السيد في ليلة ليلاء. ووضع حزب الله، «سطله ورطله»، بيد الأخ الأكبر. وكان إتفاق وقف النار وشرطه: «وقف الأعمال العدائية».
المعركة اليوم تدور على أهلنا: رحواها/ بل حجراها إسرائيل وإيران. وقد «فلت الملق»، وتطاير طحين أهلنا في الجنوب، وطحن معهم أهلنا في الضاحية والبقاع، صاروا هباء منثورا للأسف، على أرصفة النزوح وفي مجمعات الإيواء: في المدارس والأديرة والجوامع والأندية والمدينة الرياضية والمراكز الأولمبية.. وهجر كذلك مرضى المستشفيات في الجنوب والضاحية.. وهذا ذلّ لم يذقه، حتى مرضى غزة في عز الحملات العسكرية عليها، بالطائرات وبالمسيّرات.
وبلغ الغباء السياسي ببعض أهالينا مبلغه، حين أخذوا بتوجيه الصواريخ إلى الأهل في الجوار، فما تركوا لهم بذلك، حليفا ولا تركوا لهم عطوفا، ولا تركوا لهم مفاوضا، وصاروا يعضون على اليد التي تشدّ على يدهم، أغلقوا الباب عليهم: أنفسهم بأنفسهم، وأطلقوا النيران والصواريخ والمسيّرات حولهم، على قاعدة: «أنا أعمى ما بطس...».
 «ما هكذا يا سعد تورد الإبل».. مثل قديم قاله العقلاء، وهو اليوم ينطبق على أهلنا، الذين أوقعوا الشعب وكبوه للذقن، وأوقعوا بالشعب أيضا، وأخرجوه وفضحوه، وكشفوا مستوره، وشرّدوه على الطرقات.... فهامَ أهلنا على وجههم المأساة، لا يعرفون أين هم، ولا الصباح من المساء.
كان أحرى بأهلها أن يتخذوا من جوارهم، ومن جيرتهم، حسن الجوار. تصوّرا معي: لو كانت المملكة، تذهب معهم للعالم. لو كانت قطر تذهب معهم للعالم. لو كانت الإمارات تذهب معهم للعالم. لو كان لبنان وسوريا والعراق واليمن، يذهبون معهم للعالم، حتى يعالجوا الحمق الذي أرتكبه نتنياهو.. حتى يعالجوا هذه الحماقة الإسرائيلية الحديثة والمعاصرة، في تصيّدها أهلنا في مأمنهم وعلى الطرقات.
«لسنا وحدنا في العالم»، كلمة قالها يوما الشهيد كمال جنبلاط، حين إشتدّ الحصار، على مبدأ الاخوة الجامع بين الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية. وأما الشاعر الفلسطيني محمود درويش، فصرخ متسائلا: لماذا تركتم الحصان وحيدا؟ لماذا قتلتم النخوة فينا؟ لماذا أطبقتم علينا؟ فهل صار أهلكم أعداء لكم؟ و«صار عليكم قتلهم، حتى تدخلوهم الجنة»؟...
سألتكم كفّوا عن هذه الطريق الموحشة، عودوا إلى رشدكم، دعونا أن نعيش معا يدا واحدة.
يا للمفارقة: إسرائيل تتخذ أميركا حليفا لها، وإيران تدعو محور الممانعة أن يكون ضدها.
فأين التواصل مع الروس؟ وأين التواصل مع الصين؟ وكيف غدرت إسرائيل بنا قبل بدء المعركة ودعت الصديق مودي: رئيس الهند إليها، وعقدت معه معاهدة تجارية، بـ10,1 مليار دولار، قبل بدء حملتها علينا؟
الرهان على الواقع، إنما هو السبيل لما أوقعتنا وأقحمتنا به السياسة الخرقاء والعمياء.
أو هكذا نستعدي كل دول العالم علينا، ونروّج بين صفوف أهلنا من النازحين والمخلّين، بأن النصر لنا.
فكفى إستهتارا بعقولنا.. كفى إستهتارا بشعبنا.
تأسست العقيدة الخمينية، على أساس من العمل الحربي لتحرير القدس الشريف، منذ ظهور الخمينية الدينية والسياسية، والإنقلاب على حكم الشاه. وأسس الخميني (قدس سره) لهذه الغاية النبيلة، فيلق القدس ورديفها الحرس الثوري، وأنشأ الأذرع المقاتلة: حزب الله بكل فروعه، والجهادية الحوثية، وحركة حماس الجهادية. وتبنّى جميع الفصائل التي تسير على ذات النهج في تحرير القدس الشريف وعموم أراضي فلسطين.
وفي السابع من أكتوبر وقفت إيران الخمينية، إلى جانب طوفان الأقصى، وظلت داعمة لها، حتى حققت إسرائيل وأميركا للأسف، جميع أهدافها. وظل الخامنئي محافظا على عقيدته القتالية حتى إستشهاده، بلا مهادنة، وبلا حذر، وبلا حساب للواقعية السياسية والحربية، وبلا حساب أيضا لموازين القوى.
واليوم يجدّد حزب الله حرب تحرير القدس الشريف، وكذلك الشهادة على طريق القدس الشريف. وأخشى ما نخشاه، أن يطال الجنوب والضاحية والبقاع، وكل المناطق والأمكنة الأخرى في لبنان، ما طال غزة وخان يونس وأراضي الضفة. ونحن نرى بالعين المجردة، ونسمع بآذاننا الدانية والرانية، بصريح العبارة: التهديدات المتوالية. فيتحقق طوفان النزوح بنا، بدل تحقيق أهداف طوفان الأقصى. ولهذا نناشد الأخوة في إيران، وفي حزب الله، الرحمة بعيالنا وبأرضنا وبأرزاقنا. فلا نكون عرضة، لم تعرّضت له غزة.
قديما دُعي عبد المطلب لمواجهة حملة النجاشي وذي يزن، حينما هاجم جيش الحبشة شعب مكة، وكان لا قدرة لديه لدفع الحملة. وقف أبو طالب، عم النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل المارد بكل رهبة وخشوع خشية البلاء الأعظم، وقال رافعا يديه نحو السماء:
«إن للبيت ربّاً يحميه»!
فإستجاب الله تعالى دعوته، وسلّط على الجيش الغازي طير الأبابيل، فرماهم بحجارة من سجيل: يدفع الشر عن أهل مكة، ويحمي الكعبة المشرّفة!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية