إذا كان "حزب الله" أراد من خلال التشييع المهيب لأمينيه العامين الراحلين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والذي شارك فيه مئات الالاف من مناصريه، أمس، أن يبعث برسائل إلى الداخل والخارج بأن الحرب الإسرائيلية التي استهدفته، لم تستطع النيل من قوته العسكرية والتنظيمية، ومن القاعدة الجماهيرية الواسعة التي يتمتع بها على الساحة الداخلية، إلا أنه في المقابل بعث برسائل سياسية لا تقل أهمية عما سبق، سيما ما يتصل بالمرحلة المقبلة، بعد انتظام عمل المؤسسات الدستورية، في ضوء تأكيد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، على مجموعة مسلمات، وفي مقدمها نهائية الكيان اللبناني والعمل تحت سقف إتفاق الطائف، والوقوف وراء الدولة، الأمر الذي قوبل بردود إيجابية من جانب الأوساط السياسية التي أبدت أملها في أن يسير "الحزب" على طريق بناء مؤسسات الدولة، ويسخر إمكاناته السياسية العسكرية من أجل بسط السلطة الشرعية على كامل مساحة البلد .
وتشكل زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى المملكة العربية السعودية، الأحد المقبل، تلبية لدعوة من القيادة السعودية، مناسبة بالغة الأهمية، على أن ينتقل إلى القاهرة للمشاركة في القمة العربية الطارئة التي دعت إليها مصر، للبحث في الملف الفلسطيني، رداً على مواقف الرئيس الأميركي الأخيرة بشأن قطاع غزة، وما أثارته من ردود فعل عربية ودولية رافضة لتهجير سكان القطاع . وأشارت المعلومات ل"موقع اللواء"، إلى أن المسؤولين اللبنانيين يعلقون أهمية كبيرة على زيارة الرئيس عون للرياض، حيث ستكون له لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين السعوديين، وفي مقدمهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تتعلق في سبل تطوير العلاقات الثنائية على مختلف الأصعدة، بعد الكلام السعودي عن الاستعداد لمساعدة لبنان، بعدما اكتمل عقد المؤسسات الدستورية، وما يمكن أن يقوم به لبنان على صعيد الإصلاحات المنتظرة .
وفي الوقت الذي يبدأ مجلس النواب مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، غداً وبعده، حيث يتوقع أن تحصل الحكومة على ثقة نيابية مريحة، يتوقع أن يكون الملف اللبناني، سيما ما يتصل بموضوع اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، أحد نقاط البحث بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون في البيت الأبيض . وكشفت معلومات أن الرئيس ماكرون سيطلب تدخل واشنطن، للضغط على إسرائيل لإتمام انسحابها من النقاط الخمس التي لا تزال تحتلها في جنوب لبنان . باعتبار أن لدى باريس مخاوف من تعرض اتفاق وقف النار لاهتزازات خطيرة في حال بقي الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية . إلى جانب جهود تبذلها فرنسا لدى الجانب الإسرائيلي، لحثه على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، منعاً لتفاقم الأمور على جانبي الحدود، في حال كان ل"حزب الله" كلام آخر على هذا الصعيد .
ويبدو واضحاً أن إسرائيل تريد من خلال إصرارها على خرق قرار وقف إطلاق النار، باستمرار احتلالها لجزء من الأراضي اللبنانية، أن تبعث برسالة إلى "حزب الله" أنها لن تسمح له بإعادة بناء نفسه والتسلح من جديد. وهذا ما يظهر جلياً باستمرار الغارات الجوية على عدد من المناطق، واستهداف عناصر "الحزب"، في سياق تمسكها بورقة الضمانات الأميركية السرية التي تسمح لها بحرية الحركة في لبنان . لكن السؤال الذي يطرح، هل أنه في حال استمر الاحتلال في التذرع بمضمون هذه الورقة، وخرق اتفاق وقف النار، سيبقى "حزب الله" مكتوف الأيدي، إذا لم تنسحب إسرائيل بشكل نهائي من جميع الأراضي المحتلة؟ . وسط تساؤلات بدأت تكبر عن سر عجز اللجنة الأمنية المختصة مراقبة وقف النار، عن الطلب من العدو إخلاء هذه النقاط، وإتمام انسحابه بشكل كامل . وما يشكله ذلك من تشكيك بمصداقية هذه اللجنة التي باتت في موقع المتفرج على ما يقوم به الاحتلال من اعتداءات شبه يومية على الأراضي اللبنانية .
وإذا كانت إسرائيل تحاول التملص من التزاماتها ، بعدم الانسحاب الكامل من لبنان، توازياً مع ارتفاع منسوب الاعتداءات على المناطق، لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية التي فشلت بتحقيقها خلال العدوان، فإن "حزب الله"، وفقاً لمصادره، لن يسمح تالياً للاحتلال بتنفيذ مخططه. وهو يحمل الطرف الأميركي مسؤولية ما يقوم به العدو . ولو أن واشنطن كانت جدية في دورها كوسيط، لما أقدم الاحتلال على خرق اتفاق وقف النار، واستمرار احتلاله للنقاط الخمس . في وقت وضع المسؤولون اللبنانيون الجانبين الأميركي والفرنسي، في خطورة بقاء الوضع على ما هو عليه، إلى جانب اتصالات دولية على جانب كبير من الأهمية، في إطار ممارسة الضغوطات على إسرائيل ، بالنظر إلى مخاطر تفلت الأمور مجدداً، لأن الخشية موجودة من حصول الأسوأ، إذا لم يستتب الأمن بشكل جدي على طرفي الحدود بين لبنان وإسرائيل، على أساس تنفيذ القرار 1701، باعتبار أنه لا يزال يشكل مخرجاً مناسباً لجميع الأطراف .