بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 كانون الأول 2025 12:05ص السلام والحوار في حفل جائزة نوبل

حجم الخط
هنا في أوسلو يتضاعف الألم قهراً على وطني عندما أرى السلام في قسمات الوجوه ووميض العيون ونبرة الصوت وحروف الكلمات، وأتساءل: لماذا لا يحلّ السلام في أرض انعجن ترابها بدم كل بنيها؟ ومتى تأتيها صحوة من الله الواحد الأحد القدّوس الصّمد؟
هنا في أوسلو - في حفل تسليم جائزة نوبل للسلام 2025 الى السيدة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو - يأتينا السلام انسيابياً سهلاً ممتنعاً، في الخبز والملح وقهوة الصباح وثلج الرصيف.
نقرأ هنا في الصحف عن الحوار بين المسؤولين لاتخاذ القرار في مؤسسات الدولة، نراه حديث الأفكار وتلاقحها وحلولاً للأزمات من أجل تحقيق الخير العام. هو ليس تقاتل المصالح بل تكاملها، هو ليس بالكيدية والانتقام بل بالتلاقي في مساحة مشتركة حدودها الحق، سماؤها الدولة وهواؤها السلام.
التقينا في الحفل مرجعيات وهيئات وشخصيات ثقافية دولية عاملة في مجالات الحوار من أجل السلام، وأجرينا سلسلة لقاءات ونقاشات حول ما تشهده مناطق ساخنة في العالم من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الانساني وحقوق الانسان - سواء في الأزمات السياسية الوطنية الداخلية أو في النزاعات الدولية - مما يطيح باستدامة السلام، وشدّدنا على أهمية «ثقافة الحوار» من أجل بناء الدولة.
يعتقد الحكام ان السلام هو (حالة اللّاحرب) التي تعيشها المجتمعات بعد تسوية بين السياسيين، هم مخطئون لأن السلام هو أكثر عمقاً ودلالةً، هو حالة يعيشها العقل مع الذات قبل أن يعيشها مع الآخر، لأن السلام يبدأ من العقول وفي العقول فقط يبدأ السلام. فمن المستحيل أن يعيش الفرد حالة سلام دائم تفرضها تفاهمات يضعها سياسيون، بل السلام هو حالة يعيشها الفكر الذي لا يتنازل عن نظام القيم وحقوق الانسان مهما كانت الأزمات شائكة.
على الذين يريدون السلام أن يبدأوا بناء أساسات تشكيل الفكر الانساني عبر أدوات التعليم والثقافة ووسائل الاعلام والتواصل، فتمارس دورها التأثيري منذ الطفولة ولا يعيش الفرد حالة صراع تتغذّى من غريزة الخوف على الوجود. فهل هناك أمر أكثر رعباً من تعبير نسمعه كل يوم: «هو صراع وجود»، اذ عندها يستميت الفرد في القتال وسفك الدماء ويموت السلام الى لا قيامة!
هنا في أوسلو، حضرت راسي مقارنة عفوية بين ما أراه من «سلام النفس والعقل والفكر والذات» لدى الحضور في قاعة البلدية حيث تجري مراسم تسليم الجائزة وبين ما تعيشه المجتمعات اللبنانية حيث الأزمات تتوالد والحروب تتناسل، فاستخلصت أن الدمار الإنساني في وطني قد يتفاقم للأسف، دمارٌ سببه «تمجيد القوة» وتغييب «الحوار الصلب» و«الاعتدال السيادي».
في سياق آخر أقول: عندما نظرتُ في أسس تشكيل الفكر الانساني استخلصت أن «ثقافة الحوار» و«الاعتدال السيادي» هما ركيزتان أساسيتان بنيويتان لبناء الدولة. وعندما بحثت في الإعلانات الدولية لم أجد وثيقة علمية تدعو الى اعتماد نهج الحوار بدل العنف، فبادرنا الى عقد مؤتمر علمي في جامعة جنيف - سويسرا وأطلقنا مبادرة «إعلان جنيف الدولي لثقافة الحوار الإنساني 2015»، إعلانٌ اكتسب أهميته كأول نداء عالمي شامل يدعو المجتمعات البشرية الى اعتماد ثقافة الحوار لحلّ النزاعات وبناء السلام في العالم (الإعلان باللغتين العربية والانكليزية على موقع جريدة «اللواء»).
لماذا ننادي بثقافة الحوار الإنساني؟
لأن القيم الانسانية تجمع ولا تفرّق،
لأن الشعوب تتعارف لتتقارب،
لأن الأديان تدعو الى التسامح نقيض التعصّب،
لأن الرسالات السماوية جاءت لتأمر بالحوار والسلام،
لأن التحريض يستدرج إلى الإنتقام نقيض السلام،
لأن الشحن يصنع الكراهية نقيض السلام،
لأجل كل هذه المفاهيم أطلقنا المبادرة، إذ لا سلام دون بناء الدولة، متلازمان عضوياً ووظيفياً. نادينا بهذا «الإعلان» على مدى عشر سنوات وسنبقى ننادي به على أنه مساحة مشتركة بين الشعوب من أجل بقاء حضاراتها، وعلى أن السلام هو في احترام حقوق الانسان ونظريتنا تقول: يجب حمل سلاح الحق بيد، وحمل القانون الدولي الإنساني باليد الثانية.
وضعنا هذا الإعلان العلمي الدولي تأسيساً على ما جاءت به الأديان السماوية والاصلاحية وما أنتجته العلوم البحثية، ناضلنا لأجله من أجل حماية المجتمعات البشرية والقِيم وحقوق الإنسان.
من حفل السلام في أوسلو أدعو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير الخارجية يوسف رجّي الى الأخذ بعين الاعتبار التوصية العلمية الوطنية التالية:
(حيث ان «إعلان جنيف الدولي لثقافة الحوار الإنساني 2015» هو أول نداء علمي عالمي يدعو الى اعتماد ثقافة الحوار لحل النزاعات وبناء السلام في العالم،
وحيث أنه أول وثيقة دولية ناجزة تعمل على بناء الدولة في ضوء استراتجية معرفية ترسّخ ثقافة الحوار،
وحيث أن منظمة اليونسكو أعربت في رسالة خطية عن استعدادها لاعتماده وثيقة دولية:
نأمل أن تتابع الدولة اللبنانية جهودها الثقافية التي بدأتها لدى اليونيسكو من أجل اعتماد هذا «الاعلان» وثيقةً دولية، الأمر الذي سيعتبر إنجازاً استراتيجياً للبنان على الساحة الدولية. ان وطننا يستحق صورة ثقافية خارجية مشرقة.
أما لناحية الأنموذج اللبناني في فعل الحوار وبناء «دولة السلام» نقول: ان الدولة هي فعل انصهار بين إرادة المجتمع والمؤسسات الدستورية، والدولة الفاشلة هي التي تفشل في تشكيل هذه الارادة فتنهار وتخسر سيادتها. هناك علاقة شرطية بين بناء الدولة وقدرتها على فرض السلام، الأمر الذي يفرض وجود مساحة وطنية مشتركة دائمة في ثلاث ركائز: الدستور، ثقافة الحوار، والسلوك وفق نظام القيم الأخلاقية.
وبالتالي: ان لبنان يحتاج الى تنفيذ خطة عمل علمية تراكمية استراتيجية، وضعنا منتصف العام 2021 الرؤية التنفيذية لهذه الخطة فكانت مشروعاً واقعياً مثالياً لبناء الدولة، سلّمناه الى مرجعيات كبرى قادرة بالتأكيد على تنفيذه، ولكن ان عدم التطبيق في حينه أدّى الى تفاقم انهيار الدولة. أقول اليوم وأؤكّد أن خطة العمل هذه ما تزال المشروع المثالي الصالح للتنفيذ من أجل بناء الدولة، ويمكن تنفيذها في مسار «ميثاق الاعتدال السيادي لبناء الدولة» الذي عقدنا حوله «مؤتمر جنيف الدولي 2021 حول لبنان»، تبنّى هذا المؤتمر «استراتيجية الأمن القومي اللبناني 2020» من اجل بناء الدولة التي تم تسليمها الى الرؤساء وكبار المسؤولين خلال العام 2020، ولكن ان عدم تطبيقها في حينه سبّب انهيار الدولة، ولو تمّ ذلك لما حصل الانهيار ووقعت الحرب!
ان «حوارات الظلام والكواليس» خطيئة كبرى. علينا فوراً بحوارات «النور والشمس» داخل المؤسسات الدستورية حصراً ووفق فصل السلطات وصلاحياتها حصراً من أجل بناء دولة حديثة يستحقّها شعبها بسلام.
ومن أوسلو أيضاً أختم بتجديد الشكر والعرفان للبروفسور سليم دكاش رئيس جامعة القديس يوسف على ترشيحي لنيل جائزة نوبل للسلام 2025 حيث دوّن في ملف الترشيح السبب التالي: «عن أعماله وجهوده الدؤوبة من أجل إحياء وتعزيز ثقافة الحوار الإنساني واعتمادها في حل النزاعات على أساس احترام القيم الإنسانية وبناء السلام في وطنه والبشرية جمعاء»، وعلى قوله في خطابه في ندوة ثقافية لبنانية: «لنقف إلى جانب ترشيح الدكتور عوّاد ولنجعل من إسمه ومن وثيقته صوتاً عربياً ولبنانياً عالمياً يذكّرنا أن السلام مهما تعثّر يظل حلماً قابلاً للتحقّق إذا حملته قلوب مؤمنة وعقول مضيئة».

(*) رئيس المركز الدولي للدراسات الإستراتيجية والإعلام، أستاذ جامعي، عميد ركن سابق