بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 أيار 2025 12:15ص السنّة.. من الدور التأسيسي للبنان إلى التحدّيات (٤)

رفيق الحريري نهض بالطائفة ضمن مشروع الوحدة الوطنية

حجم الخط
عندما أتى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى السلطة بتوجهات عروبية جامعة، من خلفية نشأته السياسية كعضو في حركة القوميين العرب، ومن ثم من خلال قربه من مركز القرار في المملكة العربية السعودية، خصوصاً وأنه كان مكلّف الى جانب وزير الخارجية الراحل سعود الفيصل بالملف اللبناني، كان يدرك تماماً الدور الوطني والعروبي للسنّة في لبنان، الذين لم يعمدوا يوماً الى تأسيس حالة أو إطار «عصبي» لهم، رغم حجم الإستهداف السياسي والعسكري، الذي تعرضوا له منذ منتصف الثمانينات، الذي بلغ ذروته بتصفية تنظيم «المرابطون» بما كان يمثل من توازن بين الأحزاب التي تمتلك أجنحة عسكرية، وذلك بقرار سوري، نفذته الأحزاب التي كانت تأتمر من النظام، وفي نفس الوقت إرغام زعامات سنية وازنة على مغادرة لبنان، في مقدمها الرئيس صائب سلام، لتبدأ مرحلة متقدمة من محاولة «ترويض» وتحجيم دور الطائفة السنية من خلال مسلسل من الاغتيالات التي طالت رجال دين مثل العلّامة الشيخ الدكتور صبحي الصالح والمفتي الشيخ حسن خالد، وكذلك الساسة من الرئيس الشهيد رشيد كرامي والنائب ناظم القادري والإعلامي محمد شقير.. وذلك بهدف تفريغ الطائفة من قياداتها الدينية والسياسية، لإلحاقها بمشروع الهيمنة السورية على لبنان، بعد كانت عصيّة، لا بل مواجهة ومتصدّية لأطماع النظام الأسدي.
لذلك، حرص الرئيس الشهيد على إعادة إستنهاض هذا الدور من منطلق وطني، وتوظيفه في عملية الإنقاذ والانتقال من مرحلة الحرب الى مرحلة السلم الأهلي، من دون التقوقع في إطار ضيق كطائفة، على أساس أن السنّة جزءاً من أمة، سنداً لإيمانهم بعروبة لبنان المتنورة، مع التمسّك بصيغته الفريدة القائمة على التعدد والتنوّع والإنفتاح، ضمن نظام سياسي (وإن كان طائفياً!) يضمن خصوصيته الوطنية، ويطمئن جميع مكوناته، مع التطلّع الدائم لضرورة وحتمية تطوير نظامه السياسي، عندما تتاح الظروف، بهدف الترفّع التدريجي من الإنتماء الطائفي إلى المواطنة العميقة، وصولاً إلى قيام دولة لا تكون الطائفية السياسية ركيزتها.
وهذا ما ساعده في أدائه السياسي اللاطائفي، على الإعتماد على المرونة، بعيداً عن التصلّب، الذي كان نهجاً تتبعه الزعامات الطائفية، لا سيما التي أفرزتها الحرب بحكم الأمر الواقع، والتي كانت تنظر إلى مراكز تمثيلها في النظام «الريعي» بوصفها مكاسب وجودية لا تمسّ.
وعليه، شكّل السنّة بقيادة الرئيس الشهيد من خلال نمطهم وسلوكهم السياسي والإجتماعي، نقطة الإرتكاز وحجر الزاوية في قيام الجمهورية الثانية، التي قُدِّر لها أن تكون جمهورية مرتكزة على التلاقي التوافقي بين فئات مجتمعية - طوائفية في منظومة كيانية ميثاقية.
كان هاجس الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإهتمامه يرتكزان على مسألة وطنية أساسية، تتمثل في إنهاء الحرب ومخلفاتها المدمرة، وتحقيق السلم الأهلي وإعادة إعمار وبناء لبنان الوطن والنظام من جديد، وإستعادة مكانته الخارجية عربياً ودولياً.
لم يكن الإعمار عنده يقوم على البناء المادي فقط، إنما كان بكل ما تحمله كلمة إعمار من أبعاد وطنية شاملة في السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم ومتطلبات النهوض السياسي والتعليمي والاقتصادي.
لقد كان يعتبر إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي هما الأساس الصلب الذي يقوم عليه هذا التوحّد اللبناني بتنوّعه، والاعمار والنهوض الاقتصادي يوفران المصالح المشتركة بين اللبنانيين، ويساعدان على تحقيق العيش المشترك بين طوائف لبنان المتعددة والمتنوعة.
مشروع الحريري كان يرتكز على الاعتدال والتوازن والعيش المشترك، وكان يعمل من أجل ترسيخ الوحدة الوطنية اللبنانية على أسس صلبة، تقوم على التوازن بين «اللبننة» و«العروبة» (المنفتحة والمتنورة)، حيث ساهم الرئيس الحريري في بلورة المفهوم الوطني الذي يربط الوطنية اللبنانية الشاملة بالعروبة.
وتلك المعادلة الوطنية ببُعدها العربي التي أرساها الرئيس الشهيد، أعادت المسلمين (وتحديداً السنّة منهم) إلى كيانيتهم اللبنانية، بعدما حرّر المسلمين من تبعيتهم للعروبة من خلال ولائهم لأنظمتها المتتالية التي مسكت القرار اللبناني تاريخياً، مقابل إراحة المسيحيين وطمأنتهم بإنتماء لبنان إلى عروبته كدولة مستقلة ذات سيادة، والتأكيد على دورهم التمايزي الذي يعطي لبنان خصوصية تعددية، تجعله ذات صيغة فريدة قائمة على التعدد والتنوّع والإنفتاح، بين نظرائه من الدول العربية. (جدير في هذا الإطار، العودة الى المطالعة النقدية الجريئة والموضوعية للأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي والحركة الوطنية المرحوم محسن إبراهيم، خلال ذكرى أربعين الشهيد جورج حاوي. وهي المراجعة الذاتية النقدية الوحيدة للحرب اللبنانية، من قبل أحد أقطابها).
فالرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن حالة سياسية - عائلية تقليدية، شبيهة بباقي البيوتات السياسية والزعامتية اللبنانية، كما لم يكن واحداً من قادة الأحزاب الميليشياوية، الذين أطاحوا بتلك الزعامات «الكلاسيكية»، تحت شعار القضاء على الإقطاع السياسي، مستفيدين من الحروب المتتالية، ليتحوّلوا بعد إتفاق الطائف إلى نسخة جديدة للإقطاع القديم، بمسمّى «أمراء الطوائف» المدافعين عن حقوقها (!) إنما كان رفيق الحريري ظاهرة إستثنائية غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية على الإطلاق؛ حيث كان الوحيد من كل الزعامات اللبنانية الذي أتى إلى حكم وبحوزته مشروعاً وطنياً متكاملاً، عمل على تنفيذه لنقل لبنان من حالة الحرب إلى حالة السلم، وفقاً لما نص عليه «الطائف»...
لذلك شرع الرئيس الشهيد منذ وصوله إلى الرئاسة الثالثة بديناميته وإندفاعيته، مسابقاً الوقت والزمن (دون أن يتمكن أحد من اللحاق به) إلى إطلاق أكبر ورشة سياسية واقتصادية ومالية وإعمارية وإنمائية، لإعادة بناء ما تهدّم، وإعادة لبنان إلى دوره الريادي في المنطقة على الصعد كافة، وإستعادة ثقة العالم به، موظّفاً كل طاقاته وخبراته وعلاقاته وما يتمتع به من ثقة وتقدير عربي وعالمي، لتحقيق مشروعه الوطني المتكامل، بهدف إعادة ترسيخ السلم الأهلي والوحدة الوطنية والإستقرار الإجتماعي والنهوض الاقتصادي، من خلال محو كل آثار الحرب، ومعاودة البناء على أسس ومرتكزات حديثة ومتطورة، تواكب حركة العصر، وإستعادة لبنان تصنيفه كواحد من البلدان المتقدمة في المنطقة.
ورغم إستثنائية «حجم» ودور وعلاقات وإمكانيات رفيق الحريري، (التي كانت حاجة محلية وإقليمية ودولية)، فإنه لم يعمد إلى تأسيس حالة سنية بمعزل عن النسيج اللبناني، بل عمد بألمعيته السياسية إلى إعادة الطائفة السنية الى صميم المعادلة السياسية اللبنانية على أسس ومرتكزات وطنية جامعة، وبذلك حافظ الحريري على «الإعتدال» السنّي وقوته، من ضمن نهجه الذي يقوم على التوازن السياسي والوطني، والذي يشكّل إمتداداً تاريخياً للدور الذي لعبه زعماء وقادة الطائفة، بدءاً من «الميثاق الوطني» عام 1943 كان عموده الفقري الموارنة والسنّة، بشخصي الرئيس بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح، ومن حولهما شخصيات بقية الطوائف، وليس إنتهاءً «بوثيقة الوفاق الوطني» في الطائف، الذي كان له الدور الأبرز في التوصل إليه، حتى أطلق عليه «مهندس الطائف».
بناءً عليه، يمكن فهم هذا الدور الأدائي المتميّز سياسياً للرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي جعله يخرج من مجال الزعامة السنيّة الى مجال القيادة الوطنية اللبنانية الشاملة والجامعة، ولعب الدور المحوري في ترسيخ أمتن الروابط بين لبنان وأشقائه العرب، ونسج أوسع وأفضل علاقات التعاون مع أصدقائه الغربيين، موظّفاً ومسخّراً شبكة علاقاته العربية والدولية في هذا الإطار.
وفي سياق هذا العرض، لا بد من التذكير بأن الحريري الذي كان يستشرف ما يحضر للمنطقة من صراعات مذهبية وعرقية، ضمن ما اصطلح على تسميته بمشروع «الشرق الأوسط الجديد»، خصوصاً بعد تفجيرات ١١ أيلول ٢٠٠١، وما كان يتم التحضير له من إطلاق العنان للحركات المتطرفة والإرهابية تحت مظلة «الإسلام السياسي، تمكّن بما كان يحظى به من ثقة أن يحافظ على «الإعتدال» السنّي و«وسطيته»، في وجه كل تلك الحركات «المتأسلمة»، وذلك حفاظاً على الهوية الوطنية الحقيقية لسنّة لبنان من جهة، ولتحصين وصون لبنان من تمدد تلك الحركات إليه، وبالتالي زجّه فيما كان يتم الاعداد له من حروب في الدول المجاورة، لتفكيكها وتأجيج الصراعات بين أبناء الشعب الواحد...

- يتبع: إغتيال الحريري، إغتيال للإعتدال