سحر ضو
لطالما كانت السويداء أكثر من مجرد بقعة جغرافية في الجنوب السوري، بل شكّلت على الدوام معادلة خاصة تتجاوز حدودها. فمنذ ثورة سلطان باشا الأطرش ضد الاحتلال الفرنسي إلى مواقفها المتمايزة عن بقية المناطق السورية، ظل دروز الجنوب حريصين على التوازن بين الوطنية والواقعية السياسية. واليوم، في ظل مشهد إقليمي معقّد، يجد أبناء السويداء أنفسهم في مواجهة ضبابية جديدة، حيث تتداخل الوعود مع المخاوف، والتطمينات مع الحسابات غير المكتملة.
مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني السوري، سادت توقّعات بأن يشكّل نقطة تحوّل لمستقبل الجنوب، إلّا أن الواقع أثبت أن التغيير لا يُصنع بالتصريحات وحدها. فبرغم التحضيرات المكثفة، لم يطرأ أي تغيير جوهري على الأرض، وبقيت السويداء في موقع المراقب الحذر. أطلقت وعود كثيرة، وتكررت أحاديث عن حلول مرتقبة، لكن الفصائل غير النظامية ما زالت تفرض نفسها على المشهد، والمجلس العسكري المُعلن عنه لم ينجح بعد في خلق معادلة أمنية جديدة. في الوقت نفسه، أثارت التصريحات الإسرائيلية الأخيرة - التي شدّدت على أن الدروز لا يشكّلون تهديداً - جدلاً داخلياً واسعاً. البعض اعتبرها محاولة لاستمالة السويداء وإيجاد موطئ قدم إقليمي جديد، بينما رآها آخرون مجرد تكتيك سياسي لا يلغي حقيقة أن الأطماع الإسرائيلية لم تغب يوماً عن هذه المنطقة. ومع طرح إمكانية السماح لشباب دروز الجنوب بالعمل داخل إسرائيل والعودة إلى سوريا، برزت تساؤلات أعمق: هل هو مجرد حل اقتصادي مؤقت، أم خطوة تمهيدية لإعادة رسم حدود النفوذ في الجنوب؟ في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، قد تبدو هذه العروض مغرية للبعض، لكنها تعكس في الوقت ذاته انقساماً داخلياً بين من يراها خياراً اضطرارياً، ومن يعتبرها مساراً قد يفرض تغييرات ديموغرافية وسياسية لا يمكن التراجع عنها لاحقاً.
وسط هذه التحدّيات، يبقى السلاح في السويداء خطاً أحمر لا يقبل المساومة. فمنذ بداية الأزمة السورية، لم يُنظر إليه كأداة تهديد، بل كعامل توازن يحمي المنطقة من أي متغيّرات غير محسوبة. ومع استمرار هشاشة الأمن، لم يجد دروز الجنوب ما يبرر التخلّي عن سلاحهم دون ضمانات واضحة، لأن السؤال الأهم لم يُجب عليه بعد: من يضمن الأمن إذا تم تسليمه؟ حتى الآن، لم يحمل مؤتمر الحوار أي إجابة شافية على هذا السؤال، مما يعزز القناعة بأن التسرّع في هذه الخطوة قد يضع السويداء في موقف ضعف أمام تطورات غير متوقعة.
وفي هذا السياق، أكد فهد البلعوس نجل، «مؤسس حركة رجال الكرامة» الشيخ «وحيد البلعوس»، في حديث خاص لجريدة «اللواء» بأن «التطمينات إيجابية، والأوضاع تسير نحو الأفضل»، مشيراً إلى أن المجلس العسكري أصدر بياناً رسمياً يؤكد فيه إنضمامه إلى التشكيل الجديد للجيش، وهذه الخطوة تؤكد الاتجاه نحو وحدة الصف. أما فيما يتعلق بالسلاح، فأوضح أن هناك جهوداً جارية لإدراجه ضمن مؤسسة الجيش، بما يعزز الأمن ويكرّس دور الدولة.
وبلهجة واضحة، شدّد «البلعوس» على أن «الدروز سوريون قبل كل شيء، نحن دعاة سلام مع جميع دول الجوار، لا نسعى للحرب، لكن إن حاولت أي جهة زعزعة استقرار سوريا، فلن نقف مكتوفي الأيدي»، مستشهداً بكلمات شيخ الكرامة، وحيد البلعوس: «إما فوق الأرض بكرامة، أو تحتها بكرامة». أما الأقاويل المتداولة حول تبدّل المواقف، فقد حسمها بقوله: «أي حديث عن نوايا أخرى تدحضه المظاهرات التي خرجت في السويداء وفي عموم سوريا، تعبيراً عن موقف الشعب الواضح».
التاريخ أثبت أن السويداء لم ترهن قرارها لأحد، بل كانت دائماً صاحبة الكلمة الأخيرة في مصيرها. واليوم، ومع تزايد الحديث عن مشاريع حكم جديدة في الجنوب، ووعود تُطرح من جهات متعددة، يبقى الدرس الأهم من الماضي حاضراً، بأن القوة ليست في السلاح وحده، إنما في وضوح الرؤية، وفي القدرة على اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة. وما بين واقع مأزوم ومستقبل لم تتضح معالمه بعد، تبقى السويداء أمام خيارين; إما أن تبقى في موقع المراقب الحذر، أو أن تحسم موقفها في اللحظة التي تراها مناسبة، كما فعلت عبر تاريخها الطويل.