بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 أيار 2025 12:00ص السويداء تنتصر من داخلها: القرار الوطني يُسقط وصاية الخارج

حجم الخط
سحر ضو

ما حدث في السويداء لم يكن مجرّد اتفاق محلي عابر، بل لحظة مفصلية في مسار طويل من الأزمات والرهانات المتشابكة. ففي خضم واقع متفجّر، تحوّلت الجغرافيا إلى أداة ضغط، والناس إلى بيادق في صراعات إقليمية ودولية. ومع ذلك، خرجت المحافظة بقرارها، لا لتنتصر على طرف، بل لتستعيد ذاتها من بين ركام الفوضى والتدخّلات.
ثلاثة أشهر من التوترات المتصاعدة شهدتها السويداء، تخللتها مبادرات داخلية وخارجية، انسحابات واغتيالات، محاولات تقويض ونوايا ملتبسة، وسط ضغوط متعددة الجنسيات جعلت من كل خطوة نحو التهدئة مغامرة محفوفة بالمخاطر. في بدايات هذا المسار، اجتمع مشايخ العقل مع وجهاء الجبل والفصائل الثورية، وكان الشيخ حكمت الهجري في طليعة من دعم فكرة تفاهم وطني يثبّت الأمن ويفعّل مؤسسات الدولة، متجاوزاً الحسابات الضيقة ومصالح المجموعات. لكن سرعان ما انكسر التفاهم تحت وطأة الانقسام الداخلي والتدخّل الخارجي، إذ استُغل الغضب الشعبي لعرقلة تشكيل جهاز أمني محلي، لطالما طمح إليه أبناء المحافظة ليصون كرامتهم دون أن يصادر قرارهم.
الحكومة السورية أبدت تجاوباً أولياً مع الطرح، خصوصاً بشأن إنشاء قوة أمنية من أبناء المحافظة حصراً، في ما اعتُبر مؤشراً نادراً على وجود نيّة رسمية لخفض التوتر. إلّا أن هذا التوجّه لم يدم، بعدما عاد الشيخ الهجري ليطالب بالحماية الدولية إثر تغيّر المشهد، ما فتح الباب أمام انتكاسة سياسية وأمنية سريعة. الهجمات والاشتباكات التي تلت في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا، لم تكن حوادث معزولة، بل إشارات صريحة إلى إعادة خلط الأوراق بدفع خارجي واضح.
لكن الميدان فرض منطقه، فمع تصاعد وتيرة الاغتيالات والتحريض الطائفي وتفكك المؤسسات المحلية، دُفعت الأطراف إلى مراجعة حساباتها. وفي الأول من أيار 2025، عُقد اجتماع موسّع برعاية الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، وجمع المرجعيات الثلاث: حكمت الهجري، يوسف جربوع، وحمود الحناوي، إلى جانب ممثلين عن الفصائل ووجهاء بارزين. وللمرة الأولى، بدا التوافق أكثر وعياً بخطورة اللحظة، فتقرر تفعيل قوى الأمن من أبناء السويداء حصراً، تأمين طريق دمشق - السويداء، وقف إطلاق النار، ورفع الحصار عن المناطق المتوترة. كما تمّ الاتفاق على أن أي بيانا يخالف هذه البنود لا يُعتبر ملزماً لأحد.
هذا الاتفاق لم يأتِ في عزّ استقرار، بل تحت نار تصعيد إقليمي تمثل في قصف إسرائيلي طال محيط القصر الجمهوري ومراكز أمنية في نيسان 2025، تحت ذريعة حماية الدروز، تزامناً مع لهجة غير مسبوقة من واشنطن وباريس ولندن أوحت بأن الجبل تحوّل إلى ساحة رسائل استراتيجية. أمام هذا الضغط المتشابك، قبلت فصائل مثل «رجال الكرامة» و«أحرار جبل العرب» بتنازل مشروط سمح بدخول قوى الأمن السورية إلى بعض المناطق، مقابل ضمانات بعدم نزع سلاحها أو المساس بقيادتها، وحصر المشاركة الأمنية بأبناء السويداء فقط.
لكن التنفيذ لم يخلُ من الخروقات. فبعد تسليم بعض الأسلحة الثقيلة في جرمانا وصحنايا، عاد مسلسل الاغتيالات، وكان أبرزها اغتيال رئيس بلدية صحنايا ونجله، إضافة إلى وقوع حالات اعتقال وتنكيل، ما أعاد الشكوك حول صدقية النوايا وفعالية الاتفاق.
في خضم هذه الوقائع، يبرز سؤال جوهري: ممن تطلب الحماية الدولية؟ هل من فرنسا التي قتلت أكثر من ألفي درزي إبّان الانتداب؟ أم من الولايات المتحدة التي تغضّ الطرف عن ممارسات «قسد» بحق أبناء الجزيرة؟ أم من إسرائيل التي لم تحرّك ساكناً في مجزرة داعش عام 2018؟ أم من بريطانيا صاحبة السمعة الاستخبارية الأسوأ؟ أم من روسيا التي استدرجت شباب السويداء للقتال في أوكرانيا؟ إن طلب الحماية من قوى كهذه، لا يبدو حماية بقدر ما هو رهن للإرادة الوطنية.
في تصريح خاص، عبّر الشيخ ليث البلعوس عن موقف حركة «رجال الكرامة» بوضوح، قائلاً: «الدولة المدنية لا تُوهب، بل تُنتزع بإرادة الشعب. لا عدالة بلا مؤسسات مستقلة، ولا تغيير بلا شجعان ونظيفي الكف». بهذه العبارة، رسمت الحركة الحدّ الفاصل بين الانخراط في مشروع وطني جامع، ورفض كل الطروحات الانفصالية أو المشبوهة، مؤكدة أن السويداء لا تُحمى بعزلها عن الدولة، بل بتحصينها داخل دولة تحترم القانون والحقوق.
السويداء اختارت ألا تكون ورقة اتفاق أيار لم يكن انتصاراً كاملاً، لكنه منع انفجاراً محتوماً. هو اتفاق الضرورة لا القناعة، فرضته الجغرافيا لا السياسة. لكن ما دام في الجبل صوتٌ يقول: لا للوصاية، ولا للفتنة، ولا للخرائط المفخخة، يبقى الأمل قائماً. فالقصة ليست عن جبل يبحث عن حماية، بل عن شعب يريد كرامته... ويعرف كيف ينتزعها.