في خضم البحث المزمن عن الهوية الوطنية الجامعة في لبنان، يعود سؤال محوري إلى الواجهة هل يمكن للطائفية التي لطالما شكّلت حجر أساس الانقسام اللبناني أن تتحوّل إلى رافعة لمشروع وطني جامع؟ أم أنها ستبقى الداء العضال الذي ينخر جسد الدولة ويحول دون قيامها؟
في حديث خاص يسترجع أحد الخبراء الماليين من الطائفة الشيعية وهو ناشط سياسي سابق من النبطية انخرط مطلع شبابه في صفوف الحزب التقدمي الاشتراكي، كان يرى مع رفاقه من باقي الطوائف أن التمترس الطائفي الدرزي حول زعامة كمال جنبلاط لم يكن مناقضاً للمشروع الوطني الذي يؤمنون به، بل ضرورة آنيّة لمواجهة سيطرة منظومة الامتيازات السياسية المارونية التي تجذّرت في مؤسسات الدولة من خلال التعليم، الإعلام والمال... وقد شكّل التحالف «الدرزي اليساري» آنذاك محاولة جريئة لتفكيك احتكار النخبة المارونية للدولة بما خلّفَهُ من فوارق طبقية وغياب فاضح للعدالة الاجتماعية.
شكّلت «المارونية السياسية» المهيمنة منذ الاستقلال ركيزة لهوية ثقافية فرنكوفونية في محيط عربي واسع، واستندت إلى منظومة امتيازات استعمارية من النموذج الفرنسي. لكن هذه البنية سرعان ما تصدّعت عام 1958 أمام انتفاضة شعبية مدعومة عربياً. ليستدرك الرئيس شهاب هذا السقوط ويسعى الى استبدال نظام الإمتيازات المتهاوي بدولة المؤسسات العادلة ويبني الجامعة اللبنانيّة وإدارات الدولة ومجلس الخدمة المدنيّة... وهذا ما لم تستوعب أهميته القوى اليمينيّة التي شكّلت الحلف الثلاثي وساهمت في إسقاط التجربة الشهابيّة ومنطق الحياد الإيجابي الذي سلكه، ومن ثم الإنحدار من «التفوّق الثقافي» الى الصراع الدموي بعد مجزرة السبت الأسود عام 1975 لتشعل فتيل حرب أهليّة دمّرت لبنان ضمن صراع الحرب الباردة ما بين أميركا والاتحاد السوفياتي واستغلال نظام الأسد لهذا الصراع من أجل أحكام سيطرته على لبنان.
في المقابل مثّل اليسار اللبناني كما جسّده الفنان زياد الرحباني تياراً عابراً للطوائف استطاع النفاذ إلى البيئات الشيعية والدرزية والسنية. إلّا أن جذوره كانت أرثوذكسية الطابع عبر أسماء بارزة أمثال جورج حاوي، فرج الله الحلو، حنا غريب وغيرهم من الذين لعبوا دوراً محورياً في صياغة خطاب علماني مرتبط بالقضية الفلسطينية ومنفتح على الاتحاد السوفياتي. ولم تنغمس هذه النخبة في «الطائفية السادية» التي وسمت التجربة المارونية بل ساهمت في ردم الفجوات التعليمية والاجتماعية من خلال آلاف المنح إلى دول المعسكر الشرقي مما مكّن الطبقات الشعبية من اختراق النخبة التقليدية، وساهمت كنيسته في تأسيس صرح عريق هي جامعة البلمند. دفع هذا الزخم اليساري لاحقاً الإدارات الأميركية للتدخّل لكبح تمدده مع صعود رموزه في الفكر والطب والهندسة والفنون... وعلى الرغم من بعض الانزلاقات الدموية التي شهدها هذا التيار خلال الحرب تحت شعار «مواجهة الإمبريالية وأتباعها في الداخل» فإن دوره في إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمول» شكّل نقطة مضيئة في تاريخ المواجهة الوطنية الجامعة.
غير أن المشهد تغيّر بعد تمدد التيار الإيراني في لبنان، حيث تحوّل المشروع الشيعي الطائفي من هامش المقاومة الوطنية إلى محور إقليمي تحت راية «ولاية الفقيه». نجح هذا المشروع في استقطاب قاعدة شعبية واسعة في الجنوب والبقاع وصولاً لمرحلة تحرير العام 2000. لكن بدلاً من توظيف هذا النصر لبناء مشروع وطني عابر للطوائف ولبناء الدولة الراعيّة تم تكريسه ضمن سردية طائفية، استنسخت منطق الامتيازات بلبوس جديد خارجي الهوى متفلّت من منطق الدولة والدستور واحترام القانون. وعلى مدى أربعة عقود تم ضَخّ مئات مليارات الدولارات في هذا المشروع لكنه شهد في المواجهات الأخيرة سقوطاً كبيراً على الصعيدين المحلي والإقليمي، وبقى العنوان الإعلامي والتعليمي والمالي الذي بُني خلال مرحلة السيطرة الماضيّة فارضاً نفسه وعلى أكثر من مستوى.
شكّل السُنّة في مرحلة عبد الناصر ركيزة المشروع القومي العربي، وأنتجوا أدوات مواجهة ناعمة للامتيازات الطائفية الأخرى واستثمروا المد العروبي لتأسيس جامعة بيروت العربية كخطوة لكسر احتكار التعليم الجامعي الذي كانت تحتكره الجامعتان اليسوعية والأميركية. فتحت هذه الجامعة الباب لآلاف شباب الطوائف الإسلاميّة وغيرها للحصول على تعليم جامعي وولوج مسارات السلطة والفكر عبر نوافذ جديدة، ثم تراجعت مؤسسات الطائفة السنيّة التعليميّة والصحيّة وانعدمت مؤسساتها الإعلاميّة بسبب سيطرة نظام الأسد الأمني وميليشياته ومنطق الزعامة والتبعيّة، وغياب الأحزاب الديمقراطيّة، وتراجع المشروع الحضاري العربي المستثمر بالطاقات الإنسانيّة.
بعد الطائف ومنذ 1992 استُبدل مشروع الدولة الدستورية بفيروس تحالف ميليشياوي رعاه نظام الأسد، التف على مشروع الطائف وأقصى رجالات الدولة. ومع الوقت جرى تكييف ما تبقّى من نظام الإمتيازات الطائفي القديم مع محاصصة جديدة دمّرت أسس الدولة وقادت إلى الانهيار المالي عام 2019 والى الانكشاف أمني عسكري غير مسبوق نهاية 2024. رغم إيجابياتها لم تنجح الطوائف في إنتاج مشروع وطني جامع يرتبط بكيانية الدولة اللبنانية بل تحوّلت إلى أدوات إقليمية متصارعة أسقطت المشروع الوطني أمام منطق المحاور. فما نحتاجه اليوم ليس «إلغاء الطائفية» بل توجيه الديناميات الطائفية نحو مشروع الدولة، فالطائفية تصبح داءً حين تتحوّل إلى مشروع حكم مرتهن للخارج وتكون دواءً حين تساهم في التنوّع داخل إطار دستوري جامع.
بعد سقوط الأيديولوجيات الطائفية الخارجية وضياع معالم دولة المؤسسات، كان للطائفة السنيّة وقفة عنوانها تخلّيها عن زعاماتها التقليديّة التي شاركت سلطة الفساد جريمتها، وبعد هذا التحوّل التاريخي تبدو نظرياً أكثر طائفة مؤهلة لقيادة مشروع الدولة الدستورية، حيث أن باقي الطائفيات السياسيّة عاجزة عن التحرر من سردياتها وتموضعاتها وارتهاناتها الخارجيّة وتبعاتها. فالطائفة السنية إذا ما استعادت كيانيّة إرث الإمام الأوزاعي ومنهج الوسطيّة قادرة على طرح نفسها كرافعة وطنية، لا تتبع محوراً خارجياً ولا تعادي التغيير، ليس لديها مشروع غير مشروع الدولة ومتمسّكة دون أي خلفيات بتطبيق الدستور والطائف لتحقيق دولة المؤسسات المتكاملة مع محيطها العربي، متفاعلة مع الشرق والغرب على قاعدة كرامة المواطن وعدالة النظام، لعب دورها الجامع يعني الإستفادة من ايجابيات كل المراحل السابقة وتوظيفها ضمن مشروع وطني يحتضن كل المكوّنات.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هل تتقدم الطائفة السنية لتملأ الفراغ الوطني وتعيد إطلاق مشروع الدولة الحقيقيّة الذي بدأه الرئيس شهاب؟ هل نشهد ولادة طائفية سياسية مختلفة، طائفية تنويرية تقود سفينة الخلاص من دون أن تستنسخ أخطاء الآخرين؟ فالفرصة موجودة والزمن لا ينتظر المترددين.