ما كانت تهتز جبال العلويين، إلّا مع إهتزاز التوازنات حولهم. وكانت فترة الحربين العالميتين، هي أصعب الفترات في حياتهم. إذ شهدت هجراتهم على دفعات، بإتجاه المدن السنية، في الساحل وفي الداخل. كانوا يجدون فيها ملاذا آمنا لحياتهم، ومنجاة لهم من القتل والترويع.
كانت مدينة اللاذقية، أول المدن السنية التي تستقبلهم، تهدّئ من مخاوفهم، وتأويهم وتدافع عنهم، إذا ما شعر أهل اللاذقية، بأنهم في خطر. كانت تقف إلى جانبهم وتردّ عنهم الحملات العسكرية التي تطاردهم، وكذلك شذاذ الآفاق الذين يتحركون، في الأوقات العصيبة.
وحين كانت العشائر العلوية تشعر بأن اللاذقية قد ضاقت بهم، كانوا يكملون طريقهم إلى مدينة سنية أخرى. كانت هذه المدينة، إما حمص في الداخل، أو طرابلس على الساحل.
توسّع المجتمع السنّي في هاتين المدينتين بالعشائر العلوية. نزلوا في حمص، نائين بأنفسهم عن المشاركة بأي عمل عسكري. لأنهم كانوا بطبيعة الحال، من أهل السكينة والسلام. يبحثون فقط، عن الملاذ الآمن والطعام، من جبينهم المتعرق بالعمل الشاق. ولهذا نراهم وقد إنتشروا في وعر حمص. وكانوا يذهبون للعمل في هذه المدينة السنية الداخلية من الصباح حتى المساء، ثم يعودون إلى بيوتهم التي إتخذوها في الوعر المحيط بالمدينة من جميع الجهات. وكانوا ينقلون الماء بالجرار من العاصي. وكانت الجوبانية على البحيرة، هي عاصمة القرى العلوية المجتمعة: قرحا وحنيدر والكنيسة وحارا بعارا وهيت وحديدة والمشيرفة وكوذلاخر وسائر القرى التي إنتشرت لهم على خط سكة الحديد والطريق التي تربط طرابلس بمدينة حمص.
وكان من العشائر العلوية، من قصد طرابلس في هجراته المتتالية. نزلوا في سهل عكار، على ضفاف النهر الكبير الجنوبي. وإستقبلهم أهل السنة ورحبوا بهم. فأعمروا قرى السهل الحالية، بجهودهم وبأتعابهم. فكانوا نشطاء في الزراعة، إستطاعوا أن يغنوا السهل وأن يغنوا طرابلس، بأعمالهم ومجهوداتهم. وكانوا يلاقون في هذه المدينة الوجوه المرحّبة بهم. والأيدي الممدودة لهم. وكانت قرى هايتلا وعين الزيت و البيرة ويارين والسماقية والمجدل، كما غيرها، محط رحالهم. عاشوا وعملوا فيها، خصوصا في الحياة الزراعية جنبا إلى جنب مع الفلاحين من سائر الطوائف الأخرى.
ووصلت هجرات العشائر العلوية إلى طرابلس، هربا من الحروب التي لاحقتهم بنيرانها. فوجدوا عند أهل هذه المدينة السنية، كل الترحاب وكل الطمأنينة. فكانت الضاحية الشمالية والشرقية، تستقبلهم في بساتينها وفي كرومها، وقدمت لهم الأراضي والكروم في جبل محسن. ووجدوا فيها ملاذا آمنا، وصاروا ينتشرون هناك ويتوسعون بأمان وإطمئنان وحسن جوار، حتى وصلت بيوتهم إلى كروم مجدليا وزغرتا. ولاقوا فيها الهدوء والأمان والعمل، فتعاونت معهم العائلات الطرابلسية والزغرتاوية، حتى شكّلوا ضاحية نشطة عظيمة للمدينة.
شارك العلويون في المدن السنية همومهم. وعملوا بينهم بكل كدّ وجهد ونشاط. وتدرّبوا على الصناعات والحرف التي كانت موجودة في المدن السنية. وكانت لهم البراعة والنجابة والذكاء في ذلك.
كان الإختلال بين العشائر العلوية وأهل هذه المدن، لا يمتّ إلى الحوادث الطائفية بصلة. بل كان يحصل بناء لخطط وأوامر وغايات خارجية. والحديث عن الفتن التي وقعت في اللاذقية وحمص وطرابلس، إنما هي مرهونة بأسبابها الطارئة على تلك المدن. وأما أهل المدن السنية أنفسهم، فهم براء منها.
كان مشهد اللقاء الجامع بدارة دولة الرئيس نجيب ميقاتي، خير دليل على ذلك. فقد فوّت على المتآمرين غايتهم في وقد الفتنة من جديد، وإعادة إحياء الجولات العسكرية التي إستمرت لثلاثين سنة، بين جبل محسن وباب التبانة، بصناعة النظام السابق في دمشق، وبرعاية منه وبتمويل وتجهيز وتدريب.
وأما أمل أهل المدن، في اللاذقية وحمص وطرابلس، فهو واحد: أن تكفّ الأجهزة عن أعمال التخريب، في النسيج البلدي الواحد. خصوصا، وقد باتت الأمور مكشوفة للعيان، عند العلويين أنفسهم وعند أهل المدن السنية. ولم يعد هناك شيء لا تطاله العيون!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية