كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، وعلى هذه الأرض، ما يستحق أن يُحارب من أجله الجوع والفقر والظلم، ما يستحق أن يُزرع في قلوب الناس الأمل والعمل والكرامة. في اليوم العالمي للقضاء على الفقر، نتذكّر أن القضية ليست مجرد أرقام وإحصاءات، بل حياة البشر وكرامتهم، وحقوقهم في العدالة، والعيش الكريم، والمساواة الاجتماعية. فالفقر ليس مجرد غياب المال، بل هو انعدام العدالة، وهو جذر جميع أشكال القهر والاضطهاد، ويستلزم تحرّكاً جماعياً ووعياً قانونياً وقومياً إنسانياً لنقف ضد مظاهره.
يصادف السابع عشر من تشرين الأول من كل عام اليوم العالمي للقضاء على الفقر، وهو يوم يذكّر العالم بأهمية الالتزام الجماعي بمحاربة الفقر والحرمان. هذا اليوم ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل هو دعوة للتأمّل في واقع المجتمعات الفقيرة والمهمّشة، وفهم الأسباب الهيكلية التي تجعل الفقر متواصلاً ومتوارثاً عبر الأجيال. وفي فلسطين، حيث الاحتلال والتمييز الاقتصادي والسياسي يفاقمان من الأزمة، يصبح هذا اليوم مناسبة لتسليط الضوء على نضال الشعب الفلسطيني ضد الفقر كجزء من مقاومته الشاملة من أجل الحرية والعدالة، ما يؤكد أن الفقر هنا ليس مجرد نقص في المال أو الموارد، بل انعكاس لغياب العدالة الاجتماعية وانتهاك الحقوق الأساسية، ما يجعل القضاء عليه واجباً إنسانياً وقانونياً وقومياً.
الفقر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانتهاك الحقوق الأساسية للإنسان، بما في ذلك الحق في التعليم والصحة والسكن اللائق والعمل الكريم. في السياق الفلسطيني، يعاني المواطنون من حرمان مستمر نتيجة الحصار والتمييز الاقتصادي والسياسي، ما يؤدي إلى تفاقم الفقر ويحدّ من فرص التنمية البشرية. إن الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو شكل من أشكال العنف الاجتماعي الذي يحرم الإنسان من الكرامة ويمسّ بقدراته على ممارسة حقوقه كاملة. لذلك، فإن محاربة الفقر يجب أن تترافق مع تعزيز العدالة الاجتماعية وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكل فرد، لضمان مجتمع متوازن يستطيع مقاومة الظلم والاستغلال.
التعليم هو السلاح الأقوى في مواجهة الفقر والحرمان. من خلال التعليم، يمكن للأفراد اكتساب المهارات اللازمة لكسب رزق كريم والمساهمة الفاعلة في بناء مجتمعهم. في فلسطين، يُعد التعليم المقاوم أداة للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الصمود، حيث يقوم بتخريج أجيال قادرة على مواجهة الاحتلال ومخاطر الفقر. المدارس الفلسطينية ليست مجرد فضاءات لتلقين المعرفة، بل هي ساحات لصقل الوعي القانوني والحقوقي والقومي، وتعليم الطلاب أن الكرامة الإنسانية والمساواة هما حق مشروع لكل إنسان. الاستثمار في التعليم يعني الاستثمار في مستقبل فلسطين، لأنه يخلق مجتمعاً قادراً على تحقيق العدالة والتنمية المستدامة.
القضاء على الفقر لا يمكن أن يتحقق دون عدالة اجتماعية حقيقية. العدالة الاجتماعية تعني توزيع الموارد بشكل عادل، وإتاحة الفرص الاقتصادية والتعليمية لجميع الفئات دون تمييز، وضمان الحماية الاجتماعية للفئات الأضعف. في فلسطين، تتفاقم أزمة الفقر بسبب السياسات الاقتصادية القمعية والتقييد على حركة الموارد والأفراد، ما يجعل العدالة الاجتماعية ضرورة وطنية لنزع الغبن عن المجتمع الفلسطيني وتعزيز صموده. إن النضال من أجل العدالة الاجتماعية هو امتداد طبيعي لنضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، لأنه يربط بين الكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني.
يتطلب القضاء على الفقر دوراً فعّالاً من قبل المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني. يجب أن تكون هناك سياسات واضحة للتنمية المستدامة، وبرامج دعم للفئات الضعيفة، واستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية. في فلسطين، تبرز أهمية المنظمات المحلية والمبادرات المجتمعية في دعم الفقراء ومواجهة آثار الاحتلال، فهي تعمل على سد الثغرات التي يتركها غياب الدولة القادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية. دعم المؤسسات للمواطنين الفقراء هو استثمار في استقرار المجتمع وبناء القدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
توفير فرص العمل المستدامة هو جزء من الحل الشامل لمكافحة الفقر. البطالة والفقر مرتبطان بشكل مباشر، وبالتالي فإن برامج التدريب المهني وريادة الأعمال وخلق فرص العمل المحلية تعتبر أدوات فعالة لتمكين الأفراد. في فلسطين، يتعيّن أن تكون هذه البرامج متكاملة مع برامج دعم صمود المجتمع، بحيث تخلق فرصاً اقتصادية حقيقية للنساء والشباب والفئات المهمّشة، وتقلل من الاعتماد على المساعدات الخارجية. العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو أداة للكرامة وتمكين الأفراد من ممارسة حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.
الفقر يؤثر بشكل مباشر على الوصول إلى خدمات الصحة والغذاء الجيد. المجتمعات الفقيرة تواجه صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، ما يزيد من معاناة الأفراد ويحدّ من إنتاجيتهم. في فلسطين، يضاعف الاحتلال من هذه الأزمة عبر تقييد الموارد الطبية والغذائية، ما يجعل الدفاع عن الحق في الصحة والغذاء جزءاً من النضال الوطني. مكافحة الفقر إذاً تشمل ضمان حق كل إنسان في الحصول على الرعاية الصحية والغذاء اللائق، كجزء من حقوق الإنسان الأساسية.
المجتمع المدني له دور محوري في مكافحة الفقر، من خلال حملات التوعية، وتقديم الدعم المباشر، وتشجيع المشاركة المجتمعية. الجمعيات الأهلية في فلسطين تعمل على تطوير برامج تعليمية وصحية واقتصادية للفئات الضعيفة، وتساهم في تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني. المجتمع المدني هو صوت المواطنين وممثلهم في الضغط على السياسات العامة، وهو العامل الذي يربط بين الفعل الفردي والجماعي في سبيل تحقيق العدالة الاجتماعية.
في فلسطين، يرتبط مكافحة الفقر بالنضال الوطني، فالظلم الاقتصادي جزء من الاحتلال، والفقر أداة لفرض السيطرة. إن تمكين المواطنين اقتصادياً واجتماعياً يعني تعزيز قدرتهم على مقاومة الاحتلال وحماية هويتهم الوطنية. النضال من أجل القضاء على الفقر هو امتداد للنضال ضد الظلم، ويعكس وحدة الحقوق الإنسانية والقومية. حماية المواطن الفقير هي حماية اللهوية الوطنية واستثمار في مستقبل المقاومة الفلسطينية.
إن القضاء على الفقر ليس مجرد هدف إنساني، بل هو واجب قانوني وأخلاقي وقومي. كل جهد يُبذل لمساعدة الفقراء هو استثمار طويل المدى في استقرار المجتمع وتقدمه. في فلسطين، يمثل مكافحة الفقر جزءاً من النضال من أجل الحرية والعدالة، ويؤكد أن المجتمع قادر على بناء مستقبل أفضل لأبنائه رغم كل التحديات. دعم الفقراء، وتوفير التعليم والصحة والفرص الاقتصادية لهم، يعكس التزام المجتمع بالقيم الإنسانية والقانونية، ويعزز من صمود الشعب الفلسطيني ومكانته الوطنية.
* أمين عام اتحاد المحامين العرب (سابقاً)