د. محمد موسى
تنعقد القمة الأوروبية - الهندية المرتقبة في نيودلهي في 27 يناير 2026 و لكنها لا تأتي في سياق اعتيادي، بل في لحظة دولية يتفكك فيها النظام الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة، وتُستبدل فيه القواعد بالقوة، والقانون بالمصلحة، والتحالفات المستقرة بترتيبات ظرفية سريعة العطب. من هنا، لا يمكن قراءة هذه القمة كحدث دبلوماسي بروتوكولي، بل كمحاولة لإعادة التموضع في عالم لم يعد يعترف إلّا بلغة النفوذ خاصة بعد الحرب الروسية – الأوكرانية وما خلّفت من أضرار على أطرافها، أوروبا، التي دفعت ثمناً باهظاً لاعتمادها على روسيا في الطاقة وعلى الصين في الصناعة، تبحث اليوم عن شريك آسيوي قادر على توفير التوازن من دون الوقوع في فخ الاستقطاب. والهند، الصاعدة بثبات كقوة عالمية، ترى في أوروبا فرصة لتوسيع هامش مناورتها الدولية من دون الانضواء في أي محور مغلق. هكذا تلتقي المصلحتان، لا القيم ولا الشراكة إنما البحث عن صورة خارج نمطية المتلاقين.
القمة المرتقبة تهدف، في جوهرها، إلى رفع العلاقة من مستوى التعاون التجاري إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل التجارة، التكنولوجيا، الطاقة، سلاسل الإمداد، والصناعات الدفاعية. غير أن الطريق إلى ذلك ليس ممهّداً. فالفجوة بين العقلية التنظيمية الأوروبية والعقلية السيادية التنموية الهندية ما زالت قائمة، خصوصاً في ملفات البيئة، المعايير الاجتماعية، وحماية الأسواق المحلية، مع ذلك، يدفع الطرفان باتجاه إنجاز سياسي كبير، ولو على حساب التفاصيل. الاتحاد الأوروبي يريد اختراقاً استراتيجياً في آسيا يخفف من وطأة الاعتماد على الصين ويمنحه هامش استقلال عن الولايات المتحدة. والهند تريد اعترافاً عملياً بدورها كقطب دولي مستقل، لا كملحق في استراتيجيات الغرب تجاه بكين أو موسكو.
إن الشق الدفاعي في هذه الشراكة المرتقبة يحمل دلالات تتجاوز البُعد العسكري. فهو يعكس تحوّلاً في السياسة الأوروبية من الاكتفاء بتصدير السلاح إلى البحث عن شراكات إنتاج ونقل تكنولوجيا، كما يعكس رغبة هندية في تنويع مصادر تسليحها تدريجياً من دون القطيعة مع روسيا. لكن هذا التعاون يبقى محكوماً بسقف سياسي واضح: لا تحالفات عسكرية، ولا اصطفافات صدامية، بل توازنات دقيقة عنوانها البحث عن دور في زمن القوة والنفوذ، أما الحديث عن ولادة تحالف اقتصادي أوروبي – هندي جديد، فهو توصيف جزئي للصورة. نحن أمام شراكة تهدف أساساً إلى تقليل المخاطر وتعزيز المرونة الاستراتيجية، لا إلى مواجهة طرف بعينه. هي شراكة في وجه الهشاشة، لا في وجه دولة. ومع ذلك، فإن نتائجها العملية ستُقرأ حتماً في بكين وواشنطن وموسكو، كلٌّ من زاويته.
لكن، مهما بدت هذه القمة طموحة، ومهما وُقّع من اتفاقات وتفاهمات بين الجانبين، تبقى الحقيقة الأكثر خطورة أن كل ذلك سيظل معلقاً على عامل واحد لا يخضع لأي منطق مؤسساتي: مزاجية دونالد ترامب والقراءة التي سيخرج بها من نتائج القمة وهل تؤذي رؤية أميركا أولا، فالعقوبات جاهزة والرسوم حاضرة ولا منطق يحمي أحد من الفلسفة الترامبية الجديدة لا القيم ولا الناتو ولا أي حلف إلّا مصلحة أميركا - ترامب على أبواب استحقاقات مفتحة وانتخابات نصفية قادمة.
في عالم لم تعد تحكمه لغة القانون الدولي، ولا الاتفاقات متعددة الأطراف، ولا حتى التحالفات التاريخية، يصبح مصير الشراكات الكبرى رهينة نزوات رجل يرى في السياسة صفقة، وفي أخلاقه بديلاً عن القانون الدولي، وفي القوة حقاً مطلقاً. ترامب الرئيس الذي لا يعترف بشراكة، بل بمصلحة آنية. لا يؤمن بحليف، بل بشريك مؤقت. ولا يرى في القيم سوى عبء يعطّل الصفقة.
إن الخطورة بمكان أن تُبنى شراكات استراتيجية كبرى بين أوروبا والهند، لا على أرض صلبة من قواعد دولية مستقرة، بل على رمال متحركة قد تطيح بها تغريدة من هنا أو قرار أحادي هناك، أو ربما نزوة انتخابية.
في هذا العالم المتوحّش، لا ودّ، ولا صداقة، ولا شراكة بالمعنى العميق، ولا قيم جامعة وانظروا الى كلام نائب الرئيس الأميركي في مؤتمر ميونخ للأوروبيين... بل مصالح عارية، وصفقات باردة، وقوة بلا ضوابط. وهذا، تحديداً، هو التحدي الأكبر الذي سيواجه ليس فقط القمة الأوروبية - الهندية، بل النظام الدولي برمّته.