كانت لافتة المأدبة العامرة والفضفاضة التي اقامها نائب عاصمة الشمال طرابلس، فيصل كرامي في دارته في بلدة بقاعصفرين، تحت يافطة تكريم مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، في حضور بعض المفتين والمشايخ ونواب وموظفين كبار، واختار توقيتها ليؤكد خروجه النهائي من دائرة التحالف مع حزب الله، والانضواء تحت عباءة المفتي دريان ودار الفتوى التي تمثل مرجعية المسلمين السنّة في لبنان،والتشديد على الالتزام باتفاق الطائف، وتأييد سياسات العهد والحكومة بحصر السلاح بيد الدولة وحدها، واعلان ثقته بالجيش والمؤسسات الامنية في حماية لبنان وحفظ الامن والاستقرار فيه.
كانت رسالة كرامي واضحة من اقامة المأدبة، الانضواء تحت عباءة دار الفتوى، التي لطالما تمرد على مرجعيتها، ممن تحالف معهم في طرابلس وبالتحديد «جمعية المشاريع» وضمه تكتلاً نيابياً سنّياً مع نائبيها في بيروت وعاصمة الشمال، واستكمال الاستدارة التي بدأها قبل مدة، للخروج من فلك الحزب ونظام الاسد الساقط، الى تقديم اوراق اعتماده، للالتحاق بالدور العربي الذي تمثله المملكة العربية السعودية في لبنان والمنطقة، واستغلال المناسبة، للتشديد على رفض كل ما يتردد من دعوات او مواقف، علنية او مبطنة لتعديل اتفاق الطائف، لاعادة النظر في صيغة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، واستبدالها بالمثالثة، التي روَّج لها الحزب طوال السنوات الماضية، باعتبارها نتاج فائض قوة السلاح الايراني الذي سيطر على الواقع السياسي في لبنان طوال العقدين الماضيين،بعد خروج الجيش السوري منه.
أراد كرامي من الدعوة للمأدبة التي لم يحضرها اي من رؤساء الحكومات السابقين، من طرابلس او بيروت او صيدا، الظهور كزعيم لعاصمة الشمال بلا منازع، وأحد زعماء السنّة البارزين، وتقديم نفسه كمرشح لرئاسة الحكومة متى سنحت الظروف بذلك، متجاهلا انه استلحق فوزه بالنيابة استلحاقا في الانتخابات الماضية، بضغط من الحزب الذي ترشح بالتحالف معه، وتم تعيينه بديلا عن احد الوزراء الشيعة في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والتي سميت بحكومة حزب الله في العام ٢٠١١، بعد الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري يومها، وكرست الحاق لبنان بمحور النظام الاسدي وايران، والقطيعة مع الدول العرببة الشقيقة.
اختار كرامي فراغ الزعامة السنيّة في لبنان، ليضرب ضربته، ويبرز مكانته، متجاهلا ان تبديل المواقف والقناعات بهذه السرعة، سيف ذو حدين، قد يقلص ثقة الناس فيه،اكثر من الالتفاف حوله، وقد سها عن باله ان المآدب لا تصنع زعامة في النهاية، اذا كانت مقومات الزعامة غائبة في الاساس.