اتجهت أنظار العالم يوم السبت إلى العاصمة العمانية مسقط، حيث جرت محادثات رفيعة المستوى بين الولايات المتحدة وإيران، تهدف إلى فتح مسار لمفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني الذي يشهد تطوّرا متسارعا، وذلك في ظل تهديدات صريحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب باللجوء إلى عمل عسكري إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أكد الخميس الماضي إنه «يأمل أن تؤدي المحادثات إلى السلام»، وأضاف «كنا واضحين للغاية بشأن أن إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أبدا، وأعتقد أن هذا هو ما أدّى إلى هذا الاجتماع».
وردّت طهران في اليوم التالي قائلة إنها تمنح الولايات المتحدة «فرصة حقيقية» على الرغم مما وصفتها بأنها «الضجة السائدة بشأن المواجهة» في واشنطن.
يُذكر أن ترامب، الذي أعاد فرض حملة «أقصى الضغوط» على طهران منذ شباط الماضي، قد انسحب من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران وست قوى عالمية في عام 2018 خلال ولايته الأولى. ومنذ ذلك الحين، حقّق البرنامج النووي الإيراني قفزة إلى الأمام، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم إلى 60 بالمئة، وهي خطوة فنية من المستويات اللازمة لصنع القنبلة، بالرغم من أن إيران تؤكد باستمرار أن برنامجها النووي مخصص لأغراض مدنية بحتة، لكن الدول الغربية تعتقد أنها تسعى لامتلاك قنبلة ذرية، مشيرة إلى أن تخصيب إيران لليورانيوم، وهو مادة أساسية للوقود النووي، تجاوز بكثير متطلبات البرنامج المدني ووصل إلى مستويات نقاء انشطاري قريبة من تلك المطلوبة في الرؤوس الحربية.
وفي أكثر من مناسبة، أعلن ترامب استعداده لاستخدام القوة العسكرية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه بعث رسالة إلى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يطلب فيها إجراء مفاوضات مباشرة لتجنّب الصراع، مطالبا بالتوصل إلى اتفاق خلال شهرين.
وترأس عباس عراقجي الوفد الإيراني، في حين يتولى مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف إدارة المحادثات من الجانب الأميركي. وكشف مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» إن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، الذي يملك الكلمة الأخيرة في القضايا الرئيسية للدولة في هيكل السلطة المعقّد في إيران، منح وزير الخارجية عباس عراقجي «السلطة الكاملة» في المحادثات.
وتم عقد اللقاء بشكل منفصل كل وفد على حدة وتولّى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عملية التنسيق ونقل الأفكار التي تقدّم من الجانبين.
وفيما أظهر الإيرانيون تحمّسهم للقاء ورغبتهم في بدء التفاوض، وهو ما عكسته تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، اكتفى الأميركيون بتفاؤل مشروط، ملمّحين إلى أنه «إذا لم يتحقق ما يطلبونه فقد يمرّون إلى التصعيد»، مشيرين إلى أنهم يرغبون في التوصل إلى اتفاق في أقرب وقت ممكن، ولا يريدون «مفاوضات عقيمة، ومناقشات من أجل المناقشات، وإضاعة للوقت ومفاوضات تستمر إلى ما لا نهاية».
ووصف البيت الأبيض اجتماع سلطنة عمان بأنه «خطوة إلى الأمام»، في حين صرح مبعوث واشنطن ستيف ويتكوف أن «الخط الأحمر لإدارة ترامب هو منع إيران من إنتاج أسلحة نووية».
وأكد الجانبان أن الهدف الرئيسي من اجتماع مسقط هو «بناء الثقة وإرساء أسس لمزيد من المفاوضات».
بينما صرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الجولة المقبلة من المحادثات، المقرر عقدها السبت المقبل، ستشمل مناقشة جدول زمني للمفاوضات، وربما إطارا عاما لاتفاق نووي جديد.
وعلى الرغم من إشارة الطرفين إلى إمكانية تحقيق بعض التقدّم، إلّا أنهما لا يزالان بعيدين عن التوافق بشأن هذا الصراع المستمر منذ أكثر من عقدين. كما لم يتفقا على ما إذا كانت المحادثات ستكون مباشرة كما يطالب ترامب، أو غير مباشرة كما تريد إيران.
وفي هذا الإطار كشف تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، السبت، أن إيران سعت خلال المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، إلى تخفيف العقوبات الأميركية عليها مقابل موافقتها على فرض قيود على برنامجها النووي، مما يمهّد الطريق لمفاوضات أكثر جديّة بعد أسبوع.
وأكدت مصادر مطّلعة على الاجتماعات لـ«وول ستريت جورنال»، إن مقترحات إيران استندت إلى حد كبير إلى الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما. وفي هذا الاتفاق الذي أبرم قبل عقد ثم انسحب منه ترامب، وافقت إيران على كبح جماح برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات عنها.
وإن اتفق الجانبان على أن اللقاء (بنّاء)، فإنهما تركا الأمر مطلقا دون تفاصيل حول تقدّم المفاوضات والتنازلات التي تحققت، في حين كشفت المصادر المواكبة أن الوفد الإيراني، الذي تحوّل لملاقاة الأميركيين في سلطنة عمان لم يخرج بنتيجة مطمئنة بشكل واضح من لقاء بدا أن هدف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من ورائه هو اختبار نوايا إيران، إذ تتعامل طهران مع المحادثات بحذر وتشكّ في إمكانية أن تؤدي إلى اتفاق، كما أنها متشككة تجاه ترامب الذي هدّد مرارا بقصف إيران إذا لم توقف برنامج التخصيب المتزايد لليورانيوم.
ويجمع مراقبون إن اللقاء، بالرغم من الغموض حول نتائجه، هو خطوة مهمة لامتصاص حالة التوتر. وفي هذا الإطار أكد وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أن «اللقاء جرى في أجواء ودّية ساعدت على تقريب وجهات النظر، مما يعزِّز فرص تحقيق السلام والأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي»، مضيفا أن «سلطنة عُمان ستواصل جهودها في دعم مسارات الحوار والتفاهم، والمساهمة في تهيئة الظروف المواتية لتحقيق نتائج بنّاءة ومستدامة».
وتبقى الأنظار معلقة على نتائج هذه المحادثات في مسقط، والتي قد تحمل في طياتها إما بارقة أمل في خفض التوترات الإقليمية أو نذر تصعيد ينذر بعواقب وخيمة على المنطقة والعالم، وذلك في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، وسط التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وما هي الاحتمالات القائمة من ورائه، خصوصاً وأن إسرائيل حليفة واشنطن، تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديدا وجوديا، وهدّدت منذ فترة طويلة بمهاجمة إيران إذا فشلت الدبلوماسية في الحد من طموحاتها النووية.