يعتبر مخيم نهر البارد من أكبر المخيمات الفلسطينية في شمال لبنان، حيث يقع مخيم نهر البارد قرب الطريق الساحلي على بُعد 16 كيلومتراً من مدينة طرابلس اللبنانية على مجموعة من التلال والكثبان في أقصى جنوب قضاء عكار في محافظة لبنان الشمالي عند مصب نهر البارد.
تم تأسيس المخيم في الأصل من قبل عصبة جمعيات الصليب الأحمر في عام 1949 لإيواء اللاجئين الفلسطينيين من منطقة بحيرة الحولة شمال فلسطين، على مساحة 198.13 دونماً، ويبلغ عدد السكان حوالي 33156 نسمة، حسب إحصاءات 2008، هاجر منهم أكثر من 30 ألف لاجئ إلى مخيم البداوي، وبدأت الأونروا بتقديم خدماتها للاجئين في عام 1950.
لكن في الثمانينات، شهد المخيم توسّعا خارج حدود الأرض التي توافقت الدولة والأونروا عليها كنطاق جغرافي للمخيم، ليشمل أراضٍ تقع على أطراف المخيم عن طريق شراء عقارات وتسجيلها، وذلك إما قَبل أن يتم إقرار قانون عام 2001 الذي يمنع الفلسطينيين من التملك، أو عبر تسجيلها بأسماء أشخاص يحملون الجنسية اللبنانية، وهذه الأراضي هي ما يعرف اليوم بـ«المخيم الجديد». يتميّز المخيم بنسيجه الاجتماعي ومحافظته على خصائص القرى الفلسطينية.
أدّى موقع نهر البارد القريب من الحدود السورية مع لبنان، الى تحويل المخيم الى مركز اقتصادي للبنانيين في منطقة عكار حيث يقع، ولا سيما أنه يتميّز بكونه ضم الكثير من رجال الأعمال الفلسطينيين، وعُدّ السوق الرئيسي لشمال لبنان بأكمله ولا سيما منطقة عكار...
لكن في أيار من العام 2007، إنقلب المخيم رأساً على عقب، فبعد أن كان العاصمة الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين، تحوّل إلى عاصمة «الإرهاب»! مع تسلل تنظيم «فتح الإسلام» إلى داخله، وبالتالي التحكّم به عسكرياً، بشكل ملتبس وغامض، ما يزال يطرح حتى اليوم الكثير من علامات الإستفهام والأسئلة! مما تسبب لاحقاً بمعارك بين الجيش اللبناني والتنظيم المذكور، استمرت بين 20 أيار و3 أيلول 2007، خلّفت 166 قتيلاً من الجيش اللبناني و220 قتيلا من «فتح الإسلام» بحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش». كما أدّت إلى مقتل 40 مدنيا، ولا يزال الكثير من منازل المخيم بانتظار إعادة الإعمار.
فقبل أن تشتعل معركة نهر البارد، دخل تنظيم «فتح الإسلام» المخيم من أبواب الدولة الواسعة بلا رقيب أو حسيب، فأخضع المخيم وسكانه لسطوته.
حينها، نفّذ التنظيم هجمات ضد الدولة والجيش اللبناني، وقتل فيها العشرات، قبل أن يتسبب بحرب مع الجيش كلّفت عشرات الضحايا ودمّر فيها مخيم نهر البارد على رأس ساكنيه.
تشكّل تنظيم «فتح الإسلام» بطريقة غريبة وتمدّد وتوسّع نفوذه سريعا، واضعا العديد من علامات الاستفهام على الدور الذي سيلعبه لاحقا.
فقبل خروجه للعلن بعام تقريباً، خرجت القوات السورية من لبنان، وبدا للمراقبين أن الخروج السوري ودخول التنظيم الذي ترعرع قائده في سجون نظامه كانا مشهدا واحدا وإن اختلفت فصوله.
أغلب قيادات التنظيم خرجت من السجون في سوريا قبل انتهاء مدة محكوميتها، (علماً أن النظام السوري متشدّد وغير متسامح)، فقد تبيّن أن مجموعة كانت قد اتجهت إلى العراق ونفّذت بعض العمليات في بغداد، وبعدما عادت إلى سوريا أُعيد تدريبها ثم دخلت إلى لبنان واستقرّت في مخيم نهر البارد، الأمر الذي أظهر أن هناك نيّة حكما لدى النظام السوري لإقامة إمارة إسلامية في لبنان، ليقدّم نفسه على أنه الوحيد القادر على تثبيت الاستقرار ومنع التطرف والتشدّد، (فيما كان هؤلاء رجالاته).
وقد تسلل تنظيم «فتح الإسلام» إلى نهر البارد فرادة وجماعات حاملا تمويلا خارجيا، وتمكّن خلال وقت قصير من السيطرة على المخيم تارة بالترهيب وتارة أخرى بالترغيب.
وتعمّد التنظيم على عزل المخيم عن محيطه، فتكوّن لدى الرأي العام أنه منظمة إرهابية لا علاقة لها بالإسلام كما يدّعون، وبدأت على الأثر مراقبته عملانيا ومخابراتيا وسياسيا.
منذ ذلك الحين برز اسم شاكر العبسي كزعيم للتنظيم الجديد. وكما كان ظهوره لغزا، كان اختفاؤه لغزا آخر! إذ لم يكد لبنان في حينه يلملم آثار العدوان الإسرائيلي عليه في تموز 2006، حتى دارت عجلة حرب جديدة شمالا. وكان شاكر العبسي الطرف الأبرز فيها.
وبمرور أكثر من عقد ونصف على ظهور تنظيم «فتح الإسلام» وزعيمه في مخيم نهر البارد، يبقى مصير شاكر العبسي غامضا، وسط تعدّد الروايات بشأنه.
فما هي قصّة شاكر العبسي؟ كيف ظهر وكيف اختفى؟ ما حقيقة وجود جثة له تعرّفت عليها عائلته؟ وما دور النظام السوري في قضيته؟
خلال الثمانينيات من القرن الفائت، وصل إلى ليبيا شاب فلسطيني يدعى شاكر العبسي. كانت مهمته الأساسية التعلّم والتدرّب على الطيران الحربي، منتدَبا من حركة «فتح» التي كانت تربطها علاقات جيدة مع الزعيم الليبي معمّر القذافي آنذاك.
وفي منتصف التسعينيات، ترك شاكر العبسي الذي أصبح ملازما طيارا، العاصمة الليبية متوجها إلى سوريا.
وفي دمشق، التقى أشخاصا كانوا جزءا من «الجماعة الليبية المقاتلة»، ومن خلالهم، تعرّف على اثنين من أفراد تنظيم «القاعدة» هما السوريان محمد طيورة وأحمد حسون.
وفي عام 2000، أسّس العبسي مجموعة جهادية سريّة داخل «فتح الانتفاضة» بغطاء من أبي خالد العملي، نائب رئيس الحركة.
وبعد عامين على انتفاضة الأقصى، حاولت هذه المجموعة نقل الأسلحة إلى الداخل الفلسطيني عبر الجولان المحتل، إلّا أن قوات الأمن التابعة للنظام السوري أحبطت العملية وألقت القبض على أفراد المجموعة بمن فيهم شاكر العبسي باستثناء محمد طيورة وأحمد حسون.
تنقّل العبسي بين معتقلات عدة من بينها سجن صيدنايا، حيث وضع الأسس الأولى لتنظيم «فتح الإسلام» بالتنسيق مع معتقلين جهاديين، أغلبهم ينتمي إلى تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية» في العراق.
ومع تسلّم آصف شوكت رئاسة فرع فلسطين في قوات النظام السوري عام 2005، أخلي سبيل العبسي، تزامنا مع انسحاب قوات النظام السوري من لبنان.
بُعيد خروجه من السجن، تواصل العبسي مع محمد طيورة وأحمد حسون لاستقطاب مجندين من دول عربية وتدريبهم في معسكرات «فتح الانتفاضة» في لبنان بصورة سرية.
وتوجه العبسي بمجموعته نحو مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الشمال اللبناني متنقّلاً من مخيم إلى آخر تحت غطاء «فتح الانتفاضة»، إلى أن انقلب عليهم مسيطرا على مقارهم في مخيمي البداوي ونهر البارد، قبل أن يعلن ولادة تنظيم فتح الإسلام في مخيم نهر البارد في 27 تشرين الثاني 2007.
وجرى اقتحام عدد من البنوك في الشمال اللبناني لتمويل التنظيم الوليد، كما حصلت تفجيرات في بلدة عين علق، ما أشعل المواجهة بين الجيش اللبناني و«فتح الإسلام» في 20 أيار 2007.
- يتبع: الجيش يطهّر المخيم عسكريا.