بيروت - لبنان

اخر الأخبار

18 كانون الأول 2025 12:05ص المشكلة في شكل نظام الإسلام السياسي الليبرالي أم في تبدّل الأولويات الأميركية - الدولية؟

حجم الخط
د. محمد موسى

في خضم التحوّلات العميقة التي تشهدها المنطقة العربية وبلاد الشام على وجه الخصوص، يبرز سؤال متجدّد حول جدوى ما يُسمّى بـ«الإسلام السياسي الليبرالي» كصيغة قادرة على مواكبة التغيّرات الإقليمية والدولية، وعلى التكيّف مع الرؤية الأميركية – الغربية السائدة. غير أنّ مقاربة هذا السؤال من زاوية شكل النظام أو طبيعة المرجعية الفكرية وحدها تبدو قاصرة، لأن الإشكالية الحقيقية أوسع وأعمق، وترتبط بتبدّل الأولويات الدولية، وخصوصاً الأميركية، أكثر مما ترتبط بمدى ليبرالية هذا التيار أو ذاك، لقد حاولت بعض تجارب الإسلام السياسي، بعد موجة الربيع العربي، إعادة تقديم نفسها بصيغة أكثر انفتاحاً على مفاهيم الدولة الوطنية، والتعددية السياسية، واقتصاد السوق. إلّا أنّ هذه المحاولات اصطدمت بواقع مجتمعات منقسمة، ومؤسسات ضعيفة، وصراعات مفتوحة جعلت أي مشروع أيديولوجي، مهما بدا مرناً، عاجزاً عن التحوّل إلى ركيزة استقرار. في بلاد الشام تحديداً، حيث تتداخل الهويات الطائفية مع التدخّلات الخارجية والسلاح الخارج عن منطق الدولة، لا يُقاس نجاح أي نموذج بمرجعيته الفكرية، بل بقدرته على إعادة بناء الدولة وضبط الفوضى السياسية والأمنية.
من هنا، يصبح السؤال عن مدى انسجام «الإسلام السياسي الليبرالي» مع الرؤية الأميركية – الغربية سؤالاً وظيفياً أكثر منه مبدئياً. فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا يتعاملون مع القوى السياسية في المنطقة على أساس طبيعتها الأيديولوجية، بل وفق قدرتها على خدمة أولويات محددة تتغيّر مع الزمن: ضمان أمن إسرائيل، مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة والتجارة، ومنع تمدد الخصوم الدوليين. لذلك، قد يُنظر إلى بعض التيارات الإسلامية المعتدلة في مرحلة ما كشريك مقبول، ثم يُستغنى عنها في مرحلة لاحقة إذا تغيّرت الحسابات أو ظهرت أدوات أكثر ملاءمة للمصالح الأميركية.
أما على المستوى العربي الداخلي، فإن مسألة القبول الشعبي لم تعد مرتبطة كثيراً بالشعارات الكبرى، سواء كانت دينية أو ليبرالية. فالمجتمعات التي أنهكتها الأزمات الاقتصادية والانهيارات المالية والحروب باتت تبحث عن الاستقرار وتحسين شروط العيش قبل أي شيء آخر. وفي هذا السياق، يفقد الجدل حول شكل النظام السياسي الكثير من معناه إذا لم يُترجم إلى قدرة فعلية على إنتاج دولة عادلة، واقتصاد قابل للحياة، ومؤسسات تحمي المواطن من الفوضى والفساد. وأخطر ما في الموضوع اليوم اننا في وقت تتداخل كل هذه المعطيات السابقة مع واقع إقليمي شديد التعقيد، يتجلّى في الانفلات الإسرائيلي المتواصل في سوريا ولبنان وفلسطين، وفي التوتر مع تركيا، وسط غطاء أو تساهل أميركي واضح. هنا أيضاً، لا تبدو الرؤية الأميركية، سواء في عهد ترامب أو غيره، معنية بصياغة حلول سياسية شاملة بقدر ما تهدف إلى إدارة الأزمات بأدوات القوة والردع، ما يحدّ من فرص نشوء بيئات مستقرة تسمح لأي مشروع سياسي أكان وسطي او ليبرالي من النجاح. 
ويمكن في هذا السياق التذكير بأن الولايات المتحدة لم تتعامل يوماً مع تحالفاتها في المنطقة بوصفها علاقات ثابتة أو التزامات دائمة، بل كأدوات وظيفية تخضع لمعادلة المصالح المتبدّلة. فقد استبدلت واشنطن حلفائها مراراً عندما تغيّرت أولوياتها الاستراتيجية أو تراجعت كلفة التخلي عنهم؛ من دعمها لنظام الشاه في إيران قبل الثورة ثم الانتقال إلى سياسة الاحتواء والعقوبات، إلى تبدّل علاقتها مع أنظمة وحركات عربية كانت تُعدّ يوماً شركاء أساسيين ثم جرى تهميشها أو الضغط عليها، وصولاً إلى إعادة ترتيب تحالفاتها بعد الربيع العربي بين قوى أُدرجت فجأة في خانة (الاعتدال) وأخرى أُقصيت أو صُنّفت خطراً. هذه السوابق تؤكد أن الرهان على القبول الأميركي بوصفه ضمانة دائمة هو رهان هشّ.
في المحصلة، تكمن المعضلة الأساسية في وهم البحث عن صيغة سياسية جاهزة تصلح لكل زمان ومكان. فالتحولات الجارية تؤكد أن المسألة ليست مسألة إسلام سياسي ليبرالي أو غير ليبرالي، بل مسألة أولويات دولية متحركة، تتبدّل من مرحلة إلى أخرى. ما يُطلب اليوم من قوى المنطقة قد يفقد قيمته غداً، وما يُعتبر حلاً مرحلياً قد يتحوّل إلى عبء في سياق مختلف. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الحقيقي على بناء دول قادرة، لا دول تعمل على تكييف الأيديولوجيات مع مزاج دولي متقلّب.