بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 تشرين الأول 2025 12:05ص المفاوضات المباشرة مع إسرائيل: فخ التطبيع الذي يبيع سيادة لبنان

حجم الخط
د. محمد دوغان

في أعقاب كل جولة من التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية، تعود إلى الواجهة دعوات، تُبثّ غالباً عبر واشنطن، لدفع لبنان نحو طاولة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. يروّج أنصار هذا التوجه أنه «الحل العملي» لترسيم الحدود وتهدئة الجبهة، على غرار المسارات التفاوضية في غزة. لكن ما يُغلّف به هذا الطرح من لغة دبلوماسية يخفي تحته حقائق قانونية وسياسية معقّدة، تمسّ جوهر سيادة لبنان وقضيته المركزية، وتصبّ في النهاية في صالح الأجندة الإسرائيلية.

ما الذي تعنيه المفاوضات المباشرة في القانون الدولي؟

في سياق العلاقات الدولية، لا تعدو المفاوضات المباشرة بين دولتين أن تكون أداة دبلوماسية محايدة لحل النزاعات. إلّا أن هذه الحيادية تتلاشى عندما تكون إحدى الدولتين طرفاً محتلاً، والأخرى طرفاً مُحتلاً أرضه، كما هو الحال بين لبنان وإسرائيل.
• التطبيع الضمني: وفقاً لقواعد القانون الدولي، وخاصة مبادئ «قانون السلام» المستمدّ من ميثاق الأمم المتحدة، فإن إجراء مفاوضات مباشرة دون شروط مسبقة يمكن أن يُفسر كاعتراف ضمني بشرعية الطرف الآخر. وإسرائيل، باحتلالها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وخرقها المتكرر للسيادة اللبنانية عبر البر والجو والبحر، هي دولة محتلة لأراضٍ لبنانية. لذلك، فإن الجلوس على طاولة واحدة معها دون إنهاء الاحتلال أولاً، يمنحها غطاءً قانونياً وسياسياً تخفف من وطأة وضعها كقوة احتلال.
• خرق موقف اللاءات العربية: لطالما التزم الموقف الرسمي العربي، ومن ضمنه اللبناني، بعدم التفاوض المباشر مع إسرائيل إلّا في إطار حل شامل للصراع العربي - الإسرائيلي، وضمن مسارات متعددة الأطراف تضمن عدم ابتزاز كل دولة على حدة. التفاوض الثنائي المباشر ينسف هذا المبدأ ويُخرج لبنان من الإجماع العربي، مما يضعفه تفاوضياً ويعزله.
• تقويض دور الوسيط الدولي: تعتمد لبنان تاريخياً على وساطات دولية، كالأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا، لإدارة ملفات النزاع مع إسرائيل (مثل ترسيم الحدود البرية والبحرية عبر الأمم المتحدة). التحوّل إلى المفاوضات المباشرة يلغي هذا الدور الحامي نسبياً للبنان، ويضعه وجهاً لوجه أمام الطرف الأقوى عسكرياً ودبلوماسياً.

التأثير على لبنان: مخاطر وجودية تلوح في الأفق

لا تقتصر مخاطر التفاوض المباشر على الجانب النظري، بل تمتد إلى قلب الأمن القومي اللبناني وهويته:
• تصفية قضية حزب الله: الهدف المعلن للإدارة الأميركية والإسرائيلية هو «إنهاء حالة حزب الله». في المفاوضات المباشرة، سيكون هذا المطلب هو المحور، حيث ستُستخدم كل أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية لإجبار لبنان على نزع سلاح الحزب، أو تحييده، أو دمجه في الجيش تحت شروط تجرّده من قدرته الرادعة. هذا يعني نزع أهم ورقة ضغط عسكرية يمتلكها لبنان في مواجهة إسرائيل، وتحويل الجيش اللبناني إلى قوة حدود لحماية أمن إسرائيل بدلاً من حماية سيادة لبنان.
• تفكيك جبهة المقاومة: يخدم أي اتفاق لبناني - إسرائيلي منفرداً هدفاً إسرائيلياً استراتيجياً يتمثل في عزل ساحة المقاومة في لبنان عن محورها الإقليمي، وخاصة عن فلسطين. تصبح المقاومة في فلسطين وحيدة، ويتم تطويقها، مما يسهل على إسرائيل تصفية القضية الفلسطينية دون ضغط جبهة شمالية فاعلة.
• الاستقرار الداخلي على المحك: لبنان مجتمع متعدد الطوائف، وقرار الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، دون إجماع وطني، سيُحدث شرخاً سياسياً واجتماعياً عميقاً قد يصل إلى حد الانفجار. إنه قرار يُخشى أن يدفع ثمنه الاستقرار الداخلي الهش أصلاً.

التأثير على فلسطين: ضربة في الصميم

بينما قد يبدو التأثير على فلسطين «أقل» من وجهة نظر لبنانية، إلّا أنه جوهري ومصيري:
• تطبيع التطبيع: نجاح إسرائيل في جرّ لبنان، الدولة العربية التي تمتلك أقوى قوة مقاوِمة، إلى طاولة مفاوضات مباشرة، سيشكّل سابقة قاتلة. سيكون رسالة مفادها أن حتى «أصعب الخصوم» يمكن استيعابهم و«تطبيعهم». هذا سيفتح الباب أمام دول عربية أخرى لتسير على نفس الدرب، معززاً مشروع التطبيع الشامل مع إسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية.
• تجزئة الصراع: هو الهدف الإسرائيلي القديم - الجديد. تحويل الصراع من صراع عربي - إسرائيلي إلى سلسلة من النزاعات الثنائية المنعزلة (مصر، الأردن، الإمارات، البحرين، السودان، المغرب، وربما لبنان لاحقاً). بهذه الطريقة، تُفكك القضية الفلسطينية وتُحشر في زاوية ضيقة، ويصبح من السهل على إسرائيل فرض حلولها unilateral solutions (حلول أحادية الجانب) دون ضغط إقليمي موحّد.
ان الدعوة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ليست دعوة بريئة لتحقيق السلام، بل هي استراتيجية سياسية - عسكرية مُحكمة. تهدف إلى تحويل الانتصارات العسكرية والسياسية التي حققتها المقاومة إلى مكاسب إسرائيلية دائمة على طاولة المفاوضات. إنها محاولة لاستبدال منطق المقاومة، الذي يحفظ التوازن، بمنطق التبعية، الذي يكرّس الهيمنة.
الخيار الحقيقي أمام لبنان ليس بين الحرب والتفاوض المباشر، بل بين التفاوض من موقف قوة، يحافظ على أوراقه الرادعة ويستند إلى الشرعية الدولية، أو التفاوض من موقف ضعف، يفرض عليه شروط الخصم وينهي دوره كحلقة في سلسلة المقاومة. إن الدفاع عن سيادة لبنان الحقيقية يقتضي اليوم رفض أي مسار تفاوضي يبدأ من حيث تنتهي الأجندة الإسرائيلية - الأميركية، ويقوض المصلحة الوطنية العليا للبنان وفلسطين معاً.