بيروت - لبنان

اخر الأخبار

20 أيلول 2025 12:05ص النقاش في الانتخابات مرآة لأزمة الشرعية السياسية

إرجاؤها مطروح لو ضَمَر الراغبون خلاف ما يقولون.. وعيب الأحزاب استثمار المغتربين

حجم الخط
أعاد قرار الحكومة إحالة ملف تعديل قانون الانتخابات إلى مجلس النواب إحياء الجدل في مآل الانتخابات في ضوء الاختلاف الكبير بين القوى السياسية في مقاربة هذا الاستحقاق. ولا يُخفى أن ثمة أحزابا وازنة تفضّل التأجيل، وإن هي جاهرت بغير ما تضمر.
وأظهر تقرير اللجنة الوزارية المعنية بدرس تطبيق قانون الانتخاب أنه لا يزال محاطاً بشبهات الغموض والثغرات، ولا سيما في ما يتعلق بانتخاب المغتربين، وبالدوائر الانتخابية وآليات احتساب الأصوات. ومع أن الحكومة برَّرت موقفها بضرورة أن يتدخل المشرّع لتوضيح النقاط الملتبسة، إلا أن الإحالة في جوهرها محاولة لرسم حدود فاصلة بين دور السلطة التنفيذية والإدارة من جهة، وبين المسؤولية السياسية – التشريعية من جهة ثانية، وهو فصل نظري يصعب تكريسه في بلد حيث السياسة تتغلغل في أدق التفاصيل الإدارية.
في الشكل، قد يُقرأ الموقف الحكومي تنصُّلاً من مسؤولية مواجهة الملف، وإلقاء الكرة في ملعب مجلس النواب المثقل بالانقسامات. لكن في العمق، تفتح هذه الإحالة الباب أمام مواجهة شاملة حول قواعد اللعبة السياسية نفسها. إذ لا ينفصل أي تعديل انتخابي عن جوهر عملية إعادة إنتاج السلطة. تالياً، يتجاوز النقاش الإطار التقني إلى صلب موازين القوى، وإلى حسابات دقيقة لكل طرف سياسي ينظر إلى أي تغيير باعتباره تهديداً محتملاً لمكاسبه أو فرصة لتوسيع حضوره في البرلمان المقبل.
يتصدر المغتربون واجهة الجدل. فقد أظهرت انتخابات 2022 أنّ أصوات الخارج لم تعد تفصيلاً ثانوياً، بل لعبت دوراً مؤثراً في أكثر من دائرة، وساهمت في إيصال قوى من خارج الاصطفاف التقليدي إلى البرلمان. هذه التجربة جعلت بعض الأحزاب تنظر بريبة إلى مشاركة المغتربين، خشية أنها تتحول إلى رافعة لمعارضيها. وفي المقابل، ترى قوى أخرى أنّ توسيع دور اللبنانيين المنتشرين يمنحها فرصة ثمينة لزيادة الحصص والنفوذ لو على حساب الحق البديهي لهؤلاء في التمثيل والترشّح، وإحداث توازنات جديدة من باب استهداف خرق الكتلة الشيعية بنائب أو أكثر مما يجعل تلك القوى شريكة للثنائي الشيعي في اختيار رئيس مجلس النواب المقبل. وهكذا، يتحول النقاش في تخصيص مقاعد للمغتربين أو إبقائهم جزءاً من الدوائر المحلية إلى معركة سياسية كبرى، تتجاوز البُعد الإداري لتلامس إعادة تعريف العلاقة بين الداخل والانتشار.
غير أنّ المغتربين ليسوا وحدهم في قلب التجاذب. فالدوائر الانتخابية، وعددها، وطريقة توزيعها الجغرافي والطائفي، تظل محط نزاع دائم، إذ إن رسم الحدود الانتخابية يُترجم مباشرة إلى أحجام الكتل البرلمانية. كذلك، فإن نظام الصوت التفضيلي الذي اعتُمد في القانون الحالي فتح الباب أمام تنافسات داخل اللائحة الواحدة، ما أدى في كثير من الأحيان إلى إضعاف التحالفات. ومن هنا، يعود النقاش، لو بخفر، في جدوى الإبقاء على هذا النظام أو تعديله، وفي السقف المالي للإنفاق الانتخابي الذي لا يزال، في الواقع، حبراً على ورق في ظل ضعف الرقابة. وكلها عناصر تجعل أي مسعى لتعديل القانون محفوفاً بشبهة إعادة إنتاج تسويات مصلحية، بدل أن يؤسس لقاعدة انتخابية عادلة ومستقرة.
لكن خلف هذه النقاشات التقنية يكمن سؤال أعمق: كيف يمكن التوفيق بين مطلب تحديث القانون الانتخابي وبين الحفاظ على التوازنات الطائفية الدقيقة التي يقوم عليها النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف؟ فالقوى السياسية، على اختلاف مواقعها، تدرك أن أي تعديل جوهري قد يفتح الباب أمام اختلال في التوازن الهش بين الطوائف والمذاهب. وهذا ما يجعل النقاش محكوماً دوماً بمعادلة مزدوجة: الإصلاح من دون الإخلال بالتوازن، والتطوير من دون المساس بالثوابت الطائفية. غير أن هذه المعادلة نفسها تتحول عملياً إلى عائق بنيوي أمام بناء حياة سياسية عابرة للطوائف، وتُبقي النظام أسير لعبة المحاصصة.
أكثر من ذلك، يعكس النقاش الدائر حول القانون الانتخابي أزمة أعمق تتجاوز تفاصيل النصوص إلى أزمة الشرعية السياسية نفسها. إذ أن أي استحقاق انتخابي في لبنان لا يُنظر إليه بوصفه محطة لتجديد الحياة الديمقراطية، بقدر ما يُعتبر معركة على تثبيت موازين القوى الطائفية والسياسية. ومن هنا، تكمن الخطورة في أن يؤدي فتح باب التعديلات إلى مزيد من الانقسام، بدل أن يشكل مدخلاً إلى إصلاح تدريجي يراكم خطوات نحو نظام أكثر عدالة وشفافية.
في المحصلة، إن إحالة الحكومة الملف إلى مجلس النواب علامة على هشاشة النظام السياسي وعجزه البنيوي عن صوغ قواعد ديموقراطية مستقرة. فالبرلمان أمام امتحان مزدوج: إما أن ينجح في بلورة صيغة تعديلية تفتح الباب أمام تجديد سياسي تدريجي، يراعي التوازنات من دون أن يرتهن لها بالكامل، وإما أن ينتهي النقاش إلى إعادة إنتاج تناقضات النظام، مؤجلاً الحلول إلى مواعيد أخرى، ومكرِّساً حلقة مفرغة من الأزمات المتلاحقة.
للمناسبة، أيٌّ من الخيارين يبرّر لمريدي إرجاء الانتخابات تحقيق هدفهم!