د. أيمن سلامة*
يُسجّل التاريخ قرار بلدية برشلونة بقطع جميع العلاقات المؤسسية مع إسرائيل «إلى أن يتم احترام القانون الدولي» و«الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني»، كخطوة جريئة تُضاف إلى سلسلة الضغوط الدولية المتصاعدة ضد سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا القرار، الذي أيّده الحزب الاشتراكي الحاكم وساندته أحزاب يسارية متطرفة وفصائل كاتالونية داعية للاستقلال، ليس مجرد لفتة رمزية، بل هو تعبير قوي عن استياء دولي متنامٍ من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في غزة والضفة الغربية.
تكمن أهمية في كونه صادراً عن ثاني أكبر مدينة في إسبانيا، مما يضيف وزناً معنوياً وسياسياً للضغوط الدولية. فبعد أن كانت عمدة المدينة السابقة، آدا كولاو، قد علّقت علاقات المدينة مع إسرائيل عام 2023، جاء قرار العمدة الحالي، جومي كولبوني، ليعيد تفعيل هذا التعليق وبشكل أكثر حزماً، مؤكداً أن المعاناة والموت في غزة خلال العام ونصف الماضي، والهجمات الأخيرة من قبل الحكومة الإسرائيلية، تجعل من أي علاقة معها أمراً غير ممكن. هذا الموقف يؤكد أن حجم الكارثة الإنسانية في غزة تجاوز كل الخطوط الحمراء، وبلغ مرحلة لا يمكن للدول والمدن المسؤولة أن تغض الطرف عنها.
يتناغم قرار برشلونة مع الموقف المتشدد الذي يتبنّاه رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، الذي اتهم إسرائيل مراراَ بانتهاك القانون الدولي وباستخدام القوة المفرطة، محذّراً من أن حملتها العسكرية تهدد بزعزعة استقرار المنطقة.
وقد عبّر سانشيز صراحة عن هذا الموقف بقوله على منصة X: «بعد عام من اعترافنا بدولة فلسطين، أصبح الألم في غزة لا يُحتمل.
ستواصل إسبانيا رفع صوتها، أقوى من أي وقت مضى، من أجل إنهاء المجزرة التي يشهدها». هذا التوافق بين موقف الحكومة المركزية وموقف المدن الكبرى يعكس تحوّلاً جذرياً في النبض السياسي الإسباني تجاه القضية الفلسطينية.
يجب على إسرائيل أن تدرك أن هذا القرار، وغيره من المواقف الدولية المتزايدة، يعكس حقيقة أن دولاً كثيرة لم تعد تتحمل السياسات المتهورة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في غزة والضفة الغربية.
إن الدعوة التي يوجهها القرار لهيئة «فيرا دي برشلونة» بعدم استضافة أجنحة حكومية إسرائيلية أو شركات متورطة في صناعة الأسلحة أو تحقق أرباحاً من الصراع، هي رسالة واضحة بأن المجتمع الدولي بدأ يطبق تدابير ملموسة لمساءلة إسرائيل عن أفعالها.
إن تراكم هذه الضغوط، من تصريحات رؤساء الدول إلى قرارات المدن الكبرى، يشير إلى أن آن الأوان قد حان ليصحح المجتمع الدولي موقفه تجاه إسرائيل ويتخذ التدابير المضادة الرادعة ضدها. فالصمت أو التراخي في مواجهة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي يهدد بتقويض النظام العالمي بأسره، ويجعله يتبنى قانون البحر وشريعة الغاب بدلاً من مبادئ القانون الدولي.
إن قرار برشلونة هو صيحة واضحة وصريحة بأن الإنسانية والقانون الدولي لا يمكن أن يظلا رهينتين للسياسات التي تتجاهل أبسط مبادئ العدل والكرامة الإنسانية.
* أستاذ القانون الدولي - مصر