بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الثاني 2026 12:15ص بري بين الواقعية السياسية والمأزق الاستراتيجي

حجم الخط
قدّم رئيس مجلس النواب نبيه بري في مقابلته الصحفية، تشخيصاً صريحاً للوضع اللبناني، معلناً إفلاس الرهان على الآليات الدولية، محذّراً من خطر الانقسامات الداخلية، ومؤكداً على ضرورة الوحدة الوطنية كسلاح وحيد في مواجهة الاستباحة الإسرائيلية. لكن هذه التصريحات، رغم صراحتها، تطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الحلول المقترحة وقابليتها للتطبيق في ظل الواقع المعقد الذي يعيشه لبنان.

• واقعية مُرّة أم استراتيجية دفاعية؟

الإعلان الصريح من بري عن فشل لجنة الميكانيزم يمثل اعترافاً بعجز الدبلوماسية والآليات الدولية عن حماية لبنان. رئيس المجلس، الذي كان جزءاً أساسياً من المفاوضات التي أدّت إلى اتفاق وقف إطلاق النار، يقول اليوم بصراحة إن اللجنة «لم تقم منذ تشكيلها بهذا الدور، بل لم تبدِ أي فعالية أو جدّية»، وإن إسرائيل تستمر في اعتداءاتها «من دون حسيب أو رقيب».
هذا الموقف يحمل شجاعة سياسية في الاعتراف بالفشل، لكنه يطرح سؤالاً محرجاً: إذا كانت الآليات الدولية عاجزة أو متواطئة كما يصفها بري، فلماذا تم التوقيع على الاتفاق أصلاً؟ وما هي البدائل المتاحة الآن بعد سقوط هذا الرهان؟
بري يصف الوضع بدقة: «أليس ما تقوم به إسرائيل هو حرب مستمرة منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار؟»، هذا التوصيف يضع الأمور في نصابها: لبنان في حالة حرب فعلية، والحديث عن «وقف إطلاق نار» مجرد غطاء دولي لاستمرار العدوان.

• الوحدة الوطنية: شعار أم استراتيجية؟

يطرح بري الوحدة الوطنية كحل استراتيجي، معتبراً أنها «السلاح الأقوى» الذي يمتلكه اللبنانيون. يقول بوضوح: «ما كان يمكن لإسرائيل أن تقوم بما تقوم به لو أنّ اللبنانيين جميعاً في صف واحد، وعلى كلمة واحدة».
الدعوة إلى الوحدة الوطنية كانت دائماً الملاذ السياسي في لبنان عند تعقّد الأزمات. لكن المشكلة أن هذه الوحدة تصطدم بخلاف جوهري حول طبيعة المقاومة ودورها وعلاقة السلاح بالدولة. فبينما يحاول بري تقديم المقاومة كقضية وطنية جامعة، يرى فريق سياسي لبناني واسع أنها جزء من المشكلة وليس الحل، وأن وجود سلاح خارج إطار الدولة هو ما يعرّض لبنان للاعتداءات المتكررة.
هذا الانقسام العميق لا يمكن تجاوزه بخطاب الوحدة وحده. الدعوة إلى الوحدة دون معالجة الخلاف الجوهري حول المقاومة تبقى شعاراً أكثر منها استراتيجية قابلة للتطبيق.

• المقاومة بين الهوية الوطنية والواقع السياسي

يحاول بري تأطير المقاومة كـ«قضية وطنية لكل اللبنانيين»، قائلاً: «المقاومة ليست لفئة لبنانية دون غيرها، بل هي لكل اللبنانيين وتعني كل اللبنانيين». كما يحذّر من أي محاولة للمسّ بها: «لا يمكن أن نقبل بأي شكل من الأشكال أن تُمحى هذه التضحيات».
هذا التأطير يواجه تحديات واقعية صعبة. فالمقاومة ليست مجرد فكرة أو رمز، بل قوة عسكرية منظمة تتبع قيادة سياسية محددة، ولها ارتباطات إقليمية واضحة. كيف يمكن تحويلها إلى «قضية وطنية» دون إعادة هيكلتها ضمن مؤسسات الدولة؟
كما أن الحديث عن أن الدولة «لم تحمِ أبنائها» فاضطروا لتشكيل المقاومة يتجاهل حقيقة أن جزءاً كبيراً من ضعف الدولة كان نتيجة للانقسامات حول هذه المقاومة نفسها، في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها.

• انتقادات مبطّنة للحكومة

بينما يتجنّب بري التصعيد المباشر ضد الحكومة، إلّا أن انتقاداته واضحة. يحمّلها مسؤولية «القيام بواجباتها وتوفير مستلزمات تحصين البلد»، ويذكّرها بالتزاماتها في البيان الوزاري بـ«ترفّع الدولة عن أي انحياز لطرف ضد طرف آخر».
موقفه الأكثر حدّة يتعلق بمشروع تصويت المغتربين، حيث يعتبر أن إحالته المعجّلة إلى المجلس النيابي تشكّل خرقاً لالتزام الحكومة بالحياد. هذا القلق يعكس مخاوف من محاولات استثمار الانتخابات لصالح فريق ضد آخر.
لكن هذا الموقف يضع الحكومة في موقف حرج؛ فهي مطالبة بتحصين البلد في ظل إمكانيات محدودة وانقسام حاد، ومطلوب منها في الوقت نفسه «الحياد» الكامل في قضايا حساسة.

• الأسرى والانتخابات

إصرار بري على عدم نسيان الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية يحمل بُعداً أخلاقياً وسياسياً. فالتخلّي عن الأسرى يعني التخلّي عن جزء من الرواية الوطنية التي بُنيت عليها شرعية المقاومة. لكن السؤال الصعب: كيف يمكن تحرير الأسرى في ظل غياب أوراق ضغط فعلية، خاصة بعد إعلان فشل الآليات الدولية؟
أما التمسّك بموعد الانتخابات النيابية، فيعكس حرصاً على إظهار صمود المؤسسات الدستورية. لكنه يطرح تساؤلات: كيف ستجري انتخابات حرّة ونزيهة في ظل استمرار الاعتداءات؟ وهل يمكن لانتخابات تُجرى في هذه الظروف أن تنتج حلولاً حقيقية للأزمات المتراكمة؟

• المأزق الاستراتيجي

تصريحات بري تضع لبنان أمام معادلة صعبة: الآليات الدولية فاشلة، الدولة ضعيفة ولا تستطيع حماية أبنائها، المقاومة ضرورية لكنها مثار انقسام عميق، والوحدة الوطنية مطلوبة لكنها غائبة.
في هذا السياق، ما هي الخيارات المتاحة فعلياً؟ إذا كانت الآليات الدولية عاجزة، والدولة ضعيفة، والمقاومة محل خلاف، فالدعوة إلى الوحدة تبدو أقرب إلى التمنّي منها إلى الاستراتيجية القابلة للتنفيذ.
بري، بصراحته، يكشف عمق المأزق دون أن يقدم مخرجاً واضحاً منه. ربما لأنه، ببساطة، لا يوجد مخرج سهل من أزمة بهذا التعقيد والتشابك.
مواقف بري تعكس واقعية مُرّة في تشخيص الوضع، لكن الحلول المطروحة تبدو أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى حلها. رئيس المجلس، السياسي المخضرم الذي عاش كل مراحل الصراع اللبناني - الإسرائيلي، يكشف عمق الأزمة لكنه لا يملك، أو ربما لا يستطيع تقديم مخرج واضح منها. الوحدة الوطنية التي يدعو إليها تتطلب توافقاً على رؤية استراتيجية للبنان، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الانقسامات الحالية والتحوّلات الإقليمية العاصفة، خاصة الاحتجاجات الإيرانية التي قد تعيد رسم خريطة التحالفات وتزيد تعقيد المشهد اللبناني.