بيروت - لبنان

اخر الأخبار

13 تشرين الأول 2025 12:10ص بهاء الحريري يُعيد إنتاج «الحريرية» بمفاهيم عصرية جامعة وواقعية

حجم الخط
في ظل تحولات إقليمية تتبدّل فيها موازين القوى من غزة إلى دمشق، أطلّ الشيخ بهاء رفيق الحريري عبر قناة الإخبارية السورية في مقابلة مهمة، ليعلن عملياً ميلاد «الحريرية الجديدة»، نسخة حداثية من إرث والده السياسي، ترتكز على الدولة والمؤسسات والشراكة الوطنية، بدل الزعامة الفردية والتقسيم الطائفي.
تزامنت المقابلة مع الأسبوع الذي أعقب الانتخابات التشريعية السورية وعشية زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت، ما أعطى لهذه الإطلالة بعداً سياسياً داخلياً لبنانيّاً وخارجياً إقليمياً. فالرسائل السياسية داخلياً وُجهت نحو الشارع السني المحبط إثر الفراغ القيادي، وخارجياً نحو إعادة ترتيب العلاقة مع دمشق على أساس احترام السيادة والتكامل الاقتصادي.

التحوّل في الخطاب والنهج السياسي

في هذا إطار، يشير تحليل لمركز كارنيغي للشرق الأوسط (Carnegie Middle East Center) إلى أن «المرحلة الحالية في الساحة السنية اللبنانية تتطلب إعادة إنتاج قيادات مركزية قادرة على الجمع بين الإرث السياسي والواقعية الاستراتيجية»، وهو ما يعكسه خطاب بهاء الحريري.
بدلاً من الخطاب التقليدي الذي كان يربط الحريرية بموقف حاد تجاه دمشق، اختار بهاء الحريري نهجاً براغماتياً ينظر إلى سوريا كشريك ضروري، مع الحفاظ على استقلال القرار اللبناني. هذا التغيير يوضح تحوّلاً في التفكير السياسي اللبناني السني، حيث يبدأ التركيز على المصلحة الوطنية والدولة لا الزعامة أو المحاور الإقليمية.
ووفقاً لتقرير معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy)، فإن "تجاوز الانقسام التاريخي بين لبنان وسوريا يمثل فرصة أمام بيروت لإعادة إدماج نفسها اقتصادياً وسياسياً في المنطقة بعد سنوات من القطيعة»، ما يدعم تحليلنا لموقف الحريري.

من الزعامة الفردية إلى الدولة والمؤسسات

الحريري أعاد تعريف الحريرية كـ مشروع دولة لا تيار انتخابي، حيث يُنظر إلى السلطة كآلية لإنجاز الإصلاحات وإدارة الدولة، لا كأداة لفرض الزعامة الشخصية.
بدوره، يرى تقرير المعهد الملكي للشؤون الدولية – تشاتهام هاوس (Chatham House) أن: «التحول من الزعامة الطائفية إلى مؤسسات الدولة يشكّل شرطاً أساسياً لاستقرار لبنان على المدى الطويل، خصوصاً بعد فراغ القيادة السنية وانكفاء دور تيار المستقبل التقليدي».
هذا النهج يعني أن الحريرية الجديدة تسعى إلى توطيد دور الدولة اللبنانية على حساب القطيعة الطائفية أو الانحياز الإقليمي، وهو ما يضع لبنان على طريق الاستقرار المؤسسي والإداري.

إعادة العلاقات مع سوريا: من الخصومة إلى الشراكة

في ضوء التحولات الإقليمية، يرى الحريري ضرورة إعادة بناء العلاقات مع سوريا على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وتؤكد دراسة معهد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB Policy Institute) أن: «لبنان لا يمكنه تحقيق استقرار سياسي واقتصادي دون التفاعل مع سوريا، سواء عبر التجارة أو التعاون الأمني، وهذا يتطلب مقاربة مؤسساتية وعادلة بعيداً عن النزاعات التاريخية».
بهذا، يقدم بهاء الحريري نموذجاً لإعادة وصل العلاقة بين بيروت ودمشق، دون العودة إلى أجواء الصراع السياسي السابق، مع التركيز على حلول مؤسسية قابلة للتنفيذ، مثل ترسيم الحدود ومعالجة ملفات المساجين والتعاون الاقتصادي.

الاقتصاد والتكامل الإقليمي

الجانب الاقتصادي كان محوراً رئيسياً في الرؤية الجديدة، حيث شدّد الحريري على أهمية استثمار الفرص الإقليمية لإعادة نهضة لبنان.
فبحسب تقرير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة (Arab Center for Research & Policy Studies – Doha)، فإن: «تكامل لبنان مع سوريا في مجالات البنى التحتية والخدمات والاقتصاد الجزئي يمثل فرصة لتعويض الانهيار الاقتصادي الداخلي، شرط أن تتم إدارة هذه العلاقات عبر الدولة لا عبر المحاور السياسية».
هذا التوجه يعكس نهجاً عملياً في الاقتصاد السياسي، يركز على خلق شراكات إنتاجية بدلاً من الاعتماد على المساعدات الخارجية، مع استفادة لبنان من إعادة الإعمار السورية والفرص الاستثمارية الجديدة.

التوازن العربي بين الرياض ودمشق

بين الانفتاح على دمشق والحفاظ على العلاقات التاريخية مع السعودية، يسعى الحريري إلى توازن دقيق، بحيث يُظهر لبنان كـ جسر عربي مستقل قادر على التواصل مع جميع الأطراف دون الانحياز الصريح.
وهذه المقاربة للعلاقة بين سوريا الجارة الأرب والسعودية العمق الإستراتيجي للبنان، أشار إليها بوضوح تقرير مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن: «القدرة على الجمع بين محور دمشق ومحور الرياض تمثل اختباراً مهماً للقيادة اللبنانية الجديدة، خصوصاً للتيار الحريري الذي يسعى للحفاظ على دوره السياسي دون الانزلاق في النزاعات الإقليمية».
هذا التوازن يعكس حكمة سياسية من منظور إعادة إنتاج الحريرية كمنهج عملي وواقعي، بعيداً عن الانفعالات الطائفية أو الانحياز الأعمى.

الدور السني وإعادة الإدماج في الدولة

الفراغ القيادي الذي تعيشه الساحة السنية، جعل من إطلالة بهاء حدثاً سياسياً لافتاً.
وهذا ما لفت إليه تقرير المعهد الملكي للشؤون الدولية – تشاتهام هاوس أن:«إعادة إدماج الطائفة السنية في الدولة الوطنية من خلال مؤسسات فعالة يشكل شرطاً لاستقرار لبنان، ويتيح للحريرية الجديدة أن تلعب دوراً إصلاحياً متقدماً».
بهذا، يصبح التركيز على الدولة والمؤسسات هو الوسيلة لإعادة الطائفة إلى صلب القرار الوطني، وليس من خلال التكتلات الطائفية أو الشخصيات التقليدية.

الملفات الأمنية والسيادة

الحريري ركّز على ضرورة حصر السلاح في الدولة وتفعيل الجيش والمؤسسات الأمنية، مع وضع الملفات الحساسة، مثل الحدود والمساجين، على طاولة الحلول المؤسسية.
وحسب دراسة معهد السياسات في الجامعة الأميركية في بيروت: «أي إصلاح مستدام في لبنان لا يمكن أن يتحقق بدون ضبط السلاح خارج الدولة، ومعالجة الملفات العالقة مع الجوار عبر مؤسسات الدولة وليس من خلال المحاور الإقليمية».
هذا الموقف يعكس انسجام الخطاب مع قواعد الدولة المدنية، ويضع الحريرية الجديدة في خانة المشروع الوطني الجامع.
إرث رفيق الحريري من الذاكرة إلى المشروع
إعادة إنتاج الحريرية لا تعني الابتعاد عن الإرث، بل استثماره لبناء مشروع وطني متجدد.
وتؤكد دراسة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – الدوحة أن: «إرث رفيق الحريري يشكّل مرجعية سياسية للحريرية الجديدة، لكنه بحاجة إلى تكييف مع التحولات الإقليمية الداخلية والخارجية، لضمان استمرارية المشروع الوطني بعيداً عن الزعامة الفردية».
هذا يسمح للحريري بأن يربط بين الثقة التاريخية بالحريرية وبين واقعية المرحلة الجديدة، مع الحفاظ على المبادئ الوطنية.

مشروع وطني إصلاحي

يمكن النظر إلى هذه المقابلة كإعلان سياسي تأسيسي، يحدد المحاور الاستراتيجية للحريرية الجديدة من خلال الثوابت والمسلمات الآتية:
١) الدولة والمؤسسات فوق الزعامة والطائفية.
٢) الشراكة مع سوريا على قاعدة السيادة والمصلحة الوطنية.
٣) التوازن بين المحاور الإقليمية مع الحفاظ على استقلال القرار.
٥) إعادة إدماج الطائفة السنية داخل الدولة الوطنية.
٦) الاقتصاد كأداة استراتيجية لتحقيق الاستقرار الوطني.
وفقاً لمحللي معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، فإن «الحريرية الجديدة تمثل فرصة لإعادة هندسة الدور السني اللبناني، وربط الاستقرار الداخلي بالتحولات الإقليمية بطريقة مؤسسية براغماتية».
بهاء الحريري بذلك لا يستعيد الحريرية فحسب، بل يعيد إنتاجها بمفاهيم عصرية، جامعة، وواقعية، قادرة على تمكين لبنان سياسياً واقتصادياً، وإعادة ربطه بمحيطه الإقليمي ضمن منطق الدولة والمؤسسات.